الشيخ محمد هادي معرفة
364
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الإمام الفاضل سراج الدين المغربيّ صنّف كتاب المآخذ على مفاتيح الغيب وبيّن فيه من البهرج والزيف في نحو مجلّدين ، وكان ينقم عليه كثيرا ، خصوصا إيراده شُبَه المخالفين في المذهب والدين ، على غاية ما يكون من القوّة ، وإيراد جواب أهل الحقّ منها على غاية ما يكون من الدهاء . قال الطوفيّ : ولعمري إنّ هذا لدأبه في غالب كتبه الكلاميّة والحكميّة ، كالأربعين ، والمحصّل ، والنهاية ، والمعالم ، والمباحث المشرقيّة ، ونحوها . وبعض الناس يتّهمه في هذا وينسبه إلى أنّه ينصر بهذا الطريق ما يعتقده ، ولا يجسر على التصريح به . وقال في سبب ذلك : إنّه كان شديد الاشتياق إلى الوقوف على الحقّ - كما صرّح به في وصيّته التي أملاها عند موته - فلهذا كان يستفرغ وسعه ، ويكدّ قريحته في تقرير شبه الخصوم ، حتّى لا يبقى لهم بعد ذلك مقال ، فتضعف قريحته عن جوابها على الوجه ، لاستفراغه قوّتها في تقرير الشبه . ونحن نعلم بالنفسيّة الوجدانيّة ، أنّ أحدنا إذا استفرغ قوّة بدنه في شغل ما من الأشغال ، ضعف عن شغل آخر ، وقُوَى النفس على وزان قُوَى البدن غالبا . وقد ذكر في مقدّمة كتاب نهاية العقول ما يدلّ على صحّة ما أقول ؛ لأنّه التزم فيه أن يقرّر مذهب كلّ خصم ، لو أراد ذلك الخصم تقريره ، لما أمكنه الزيادة عليه أو أَوفى بذلك . ولهذا السبب قرّر في كتاب الأربعين أدلّة القائلين بالجهة ، ثمّ أراد الجواب عنها ، فما تمكّن منه على الوجه ، فغالط فيه في موضعين قبيحين ، ذكرهما في مواضع كثيرة « 1 » . وممّا بحث على أصول مذهبه الأشعريّ في ظاهر الأمر ما ذكر عند تفسير الآية « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » « 2 » . قال : احتجّ أهل السنّة - يعني بهم الأشاعرة - بهذه الآية وكلّ ما أشبهها من قوله : « لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » « 3 » ، وقوله : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً - إلى قوله -
--> ( 1 ) - . الإكسير في علم التفسير ، ص 26 - 27 ، تحقيق عبد القادر حسين . ( 2 ) - . البقرة 6 : 2 . ( 3 ) - . يس 7 : 36 .