الشيخ محمد هادي معرفة

349

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المباحث الجليلة . قال العلّامة القاضي نور اللّه التستريّ المرعشيّ : إنّ هذا التفسير من خير التفاسير ، وقد سمحت به قريحة شيخنا الرازيّ الوقّادة ، وممّا لا نظير له في كتب التفسير ، في عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته ، وظرافة أسلوبه ودقّة اختياره ، وقد بنى عليه الفخر الرازيّ في تفسيره الكبير ، فأخذ منه اللباب ، وزاد عليه بعض تشكيكاته ، ممّا زاد في الحجم ، ولكنّ الأصل اللباب ، هو ما ذكره مفسّرنا الرازيّ أبو الفتوح الكبير « 1 » . وقد تتبّعتُ مواضع من التفسيرين ، فوجدت الأمر كما ذكره القاضي ، كان الأصل ما ذكره أبو الفتوح الرازيّ ، وجاء تحقيق الفخر فرعا عليه ومقتبسا منه ، ولو مع زيادات . مثلًا عند قوله تعالى : « فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » « 2 » ذهب أبو الفتوح إلى أنّ إبليس لم يزل كان كافرا ، وأنّ المؤمن سوف لا يكفر ؛ لأنّ الإيمان يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وكذا الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بين الاستحقاقين محال « 3 » . وهكذا جاء الاستدلال في التفسير الكبير ، قال : الوجه الثاني في تقرير أنّه كان كافرا أبدا ، قول أصحاب الموافاة ؛ وذلك لأنّ الإيمان يوجب استحقاق الثواب الدائم ، والكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بين الثواب الدائم والعقاب الدائم محال ، فإذا صدر الإيمان من المكلّف في وقت ثمّ صدر عنه - والعياذ باللّه - بعد ذلك كفر ، فإمّا أن يبقى الاستحقاقان معا وهو محال - على ما بينّاه - أو يكون الطارئ مزيلًا للسابق ، وهو أيضا محال ؛ لأنّ القول بالإحباط باطل . . . « 4 » . ويبحث الرازيّ عن قوله : « وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » هل كان هناك كفّار غير إبليس حتّى يكون واحدا منهم ؟ فيجيب عن ذلك بجوابات ، كلّها واردة في كلام أبي الفتوح الرازيّ « 5 » .

--> ( 1 ) - . راجع : مجالس المؤمنين للقاضي التستريّ ، ج 1 ، ص 490 . ( 2 ) - . البقرة 34 : 2 . ( 3 ) - . راجع : تفسير أبي الفتوح ، ج 1 ، ص 138 . ( 4 ) - . راجع : التفسير الكبير ، ج 2 ، ص 237 . ( 5 ) - . راجع : المصدر نفسه ، ص 237 - 238 ؛ تفسير أبي الفتوح ، ج 1 ، ص 139 .