الشيخ محمد هادي معرفة
338
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أقوى ؛ لأنّه تعالى بيّن أنّهم متى ردّوه إلى أُولي العلم علموه ، والردّ إلى من ليس بمعصوم ، لا يوجب العلم ؛ لجواز الخطأ عليه بلا خلاف ، سواء أكانوا أُمراء السرايا ، أو العلماء « 1 » . وعند قوله تعالى : « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » « 2 » . قال : فيمن تعود « الهاء » إليه قولان : أحدهما : قال الزجّاج : إنّها تعود إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . والثاني : قال الجبّائيّ : تعود إلى أبي بكر ؛ لانّه كان الخائف واحتاج إلى الأمن . قال الشيخ : والأوّل أصحّ ؛ لأنّ جميع الكنايات قبل هذا وبعده راجعة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلا يليق أن يتخلّل ذلك كلّه كناية عن غيره . ثمّ قال : وليس في الآية ما يدلّ على تفضيل أبي بكر ؛ لأنّ قوله : « ثانِيَ اثْنَيْنِ » مجرّد الإخبار أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خرج ومعه غيره . وكذلك قوله : « إِذْ هُما فِي الْغارِ » خبر عن كونهما فيه . وقوله : « إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ » لا مدح فيه أيضا ؛ لانّ تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة ، ألا ترى أنّ اللّه تعالى قال في صفة المؤمن والكافر : « قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ » « 3 » ، وقوله : « لا تَحْزَنْ » إن لم يكن ذمّا فليس بمدح ، بل هو نهي محض عن الخوف . قوله : « إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » ، قيل : إنّ المراد به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو أُريد به أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة ؛ لأنّه يحتمل أن يكون ذلك على وجه التهديد . إلى أن يقول : فأين موضع الفضيلة للرجل لولا العناد . ثمّ أضاف : ولم نذكر هذا للطعن على أبي بكر ، بل بيّنا أنّ الاستدلال بالآية على الفضل غير صحيح « 4 » . وفي مسألة « العدل » وتحكيم العقل في معرفة الصفات ، نراه يذهب مذهب أهل الاعتدال في النظر ، فيؤوّل الآيات على خلاف ما يراه أهل الظاهر من الصفاتيّين ، من الأشاعرة وأهل القول بالجبر والتشبيه .
--> ( 1 ) - . التبيان ، ج 3 ، ص 273 . ( 2 ) - . التوبة 40 : 9 . ( 3 ) - . الكهف 37 : 18 . ( 4 ) - . التبيان ، ج 5 ، ص 220 - 223 .