الشيخ محمد هادي معرفة
260
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ونجده أحيانا يرجّح بعض الأقوال على بعض ، ويضعّف بعض الروايات ، ويصحّح بعضا آخر منها ، ويعدل بعض الرواة ، ويجرح بعضا آخر ، وهذا يرجع إلى ما كان عليه من المعرفة بأصول نقد الحديث ، ومعرفة أحوال الرجال . وممّا يمتاز به أنّه ينبّه بين حين وآخر إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليّات والموضوعات ، ويحذّر منها على وجه الإجمال تارة ، وعلى وجه التعيين والبيان لبعض منكراتها تارة أخرى . مثلًا ، هو في قصّة هاروت وماروت ، يراها متصادمة مع ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة ، فإن كان ولا بدّ فهو تخصيص ، كما في شأن إبليس على القول بأنّه من الملائكة ، ثمّ يذكر القصّة نقلًا عن الإمام أحمد في مسنده ، يرفعها إلى النبيّ ، لكنّه يشكّك في صحّة السند ورفعه . وأخيرا يستغربها . ويذكرها أيضا بطريقين آخرين ويستغربهما ، وفي نهاية الأمر يقول : وأقرب ما يكون في هذا أنّه من رواية عبد اللّه بن عمر عن كعب الأحبار ، لا عن النبيّ ، إذن فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار ، عن كتب بني إسرائيل . ثمّ يذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين . ويذكر عن عليّ عليه السلام أنّه لعن الزهرة ، لأنّها فتنت الملَكين . ويعقّبه بقوله : وهذا أيضا لا يصحّ وهو منكر جدّا . ويذكر عن ابن مسعود وابن عبّاس وعن مجاهد أيضا ، ثمّ يقول : وهذا إسناد جيّد إلى عبد اللّه بن عمر ، وأضاف : وقد تقدّم أنّه من روايته عن كعب الأحبار . وأخيرا يقول : وقد روي في قصّة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين وقصّها خلق من المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح ، متّصل الإسناد إلى الصادق المصدّق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى « 1 » . انظر إلى هذا التحقيق الأنيق بشأن خرافة إسرائيليّة غفل عنها أكثر المفسّرين .
--> ( 1 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 1 ، ص 137 - 141 .