الشيخ محمد هادي معرفة
193
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
من إخوانه ، كانا من أخصّ إخوانه له ، كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم - واللّه - لقد أذنب أيّوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين ، فقال له صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اللّه ، فيكشف ما به . فلمّا راحا إليه لم يصبر الرجل حتّى ذكر ذلك له ، فقال أيّوب عليه السلام : ما أدري ما تقول ، غير أنّ اللّه عز وجل يعلم أنّي كنت أمرّ على الرجلين يتنازعان ، فيذكران اللّه ، فأرجع إلى بيتي ، فأُكفّر عنهما كراهية أن يذكرا اللّه إلّا في حقّ . قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده ، حتّى يبلغ ، فلمّا كان ذات يوم أبطأت عليه ، فأوحى اللّه إلى أيّوب في مكانه : أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب » . وقال ابن كثير : رَفْع هذا الحديث غريب جدّا « 1 » ، وقال الحافظ ابن حجر : وأصحّ ما ورد في قصّته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وصحّحه ابن حبّان والحاكم ، بسند عن أنس : أنّ أيّوب . . . ثمّ ذكر مثل ذلك . والمحقّقون من العلماء على أنّ نسبة هذا إلى المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم إمّا من عمل بعض الوضّاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون ، أو من غلط بعض الرواة ، وأنّ ذلك من إسرائيليّات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء . على أنّ صحّة السند في مصطلحهم لا تنافي أنّ أصله من الإسرائيليّات ، وابن حجر على مكانته في الحديث ربّما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلّة العقليّة والنقليّة ، كما فعل في قصّة الغرانيق ، وهاروت وماروت ، وكلّ ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عمّا ذكره وهب بن منبّه ، في قصّة أيّوب ، التي أشرنا إليها آنفا ، وما روي عن ابن إسحاق أيضا ، فهو ممّا أُخذ عن وهب ، وغيره . وهذا يدلّ أعظم الدلالة على أنّ معظم ما روي في قصّة أيّوب ممّا أُخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا ، وجاء القصّاصون المولَعون بالغرائب ، فزادوا في قصّة أيّوب ، وأذاعوها ، حتّى اتّخذ منها الشحّاذون ، والمتسوّلون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس ،
--> ( 1 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 3 ، ص 189 .