الشيخ محمد هادي معرفة
180
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ اللّه تعالى خيّرني بين أن يغفر لنصف امّتي أو شفاعتي ، فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعمّ لُامّتي ، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجّلت دعوتي ، إنّ اللّه تعالى لمّا فرّج عن إسحاق كرب الذبح قيل له : يا إسحاق سل تُعطه قال : أما واللّه لأتعجّلنّها قبل نزغات الشيطان ، اللّهمّ من مات لا يشرك باللّه شيئا قد أحسن فاغفر له » « 1 » . والحقّ أنّ المرويّات في أنّ الذبيح إسحاق هي من إسرائيليّات أهل الكتاب ، وقد نقلها من أسلم منهم ، ككعب الأحبار . وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين تحسينا للظنّ بهم ، فذهبوا إليه . وجاء بعدهم العلماء فاغترّوا بها ، وذهبوا إلى أنّ الذبيح إسحاق « 2 » . وما من كتاب من كتب التفسير ، والسير ، والتواريخ إلّا ويذكر فيه الخلاف بين السلف في هذا ، إلّا أنّ منهم من يعقّب ببيان وجه الحقّ في هذا ؛ ومنهم من لا يعقّب اقتناعا بها ، أو تسليما لها . وحقيقة هذه المرويّات أنّها من وضع أهل الكتاب ، لعداوتهم المتأصّلة من قديم الزمان للنبيّ الامّيّ العربيّ ، فقد أرادوا أن لا يكون لإسماعيل الجدّ الأعلى للنبيّ فضلٌ أنّه الذبيح حتّى لا ينجرّ ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلى المسلمين . تحريفهم للتوراة ولأجل أن يكون هذا الفضل لجدّهم إسحاق عليه السلام لا لأخيه إسماعيل حرّفوا التوراة في هذا ، ولكنّ اللّه أبى إلّا أن يغفلوا عمّا يدلّ على هذه الجريمة النكراء ؛ والجاني غالبا يترك من الآثار ما يدلّ على جريمته ، والحقّ يبقى له شعاع ، ولو خافِتٌ ، يدلّ عليه ، مهما حاول المبطلون إخفاءَ نوره ، وطمس معالمه . فقد حذفوا من التوراة لفظ « إسماعيل » ، ووضعوا بدله لفظ « إسحاق » ، ولكنّهم غفلوا عن كلمة كشفت عن هذا التزوير ، وذاك الدسّ المشين . نصّ التوراة ففي التوراة ( الإصحاح الثاني والعشرون ، الفقرة 2 ) : « فقال الربّ : خذ ابنك وحيدك
--> ( 1 ) - . روح المعاني ، ج 23 ، ص 123 و 124 . ( 2 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 16 - 17 .