الشيخ محمد هادي معرفة

173

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أُذنيه ، ويلتحف بالأخرى ، لا يمرّون بفيل ، ولا وحش ، ولا جمل ، ولا خنزير إلّا أكلوه ، ومن مات منهم أكلوه ، مقدّمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق ، وبحيرة طبريّة » . وقد ذكر ابن جرير في تفسيره هذه الرواية وغيرها من الروايات الموقوفة ، وكذلك صنع القرطبيّ في تفسيره . وإذا كان بعض الزنادقة استباحوا لأنفسهم نسبة هذا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف استباح هؤلاء الأئمّة ذكر هذه المرويّات المختلقة المكذوبة على رسول اللّه في كتبهم ؟ ! وهذا الحديث المرفوع نصّ الإمام أبو الفرج ابن‌الجوزيّ - في موضوعاته وغيره - على أنّه موضوع ، ووافقه السيوطيّ في اللئالئ « 1 » فكيف يذكره في تفسيره ولا يعقّب عليه ؟ ! وحقّ له أن يكون موضوعا ، فالمعصوم صلى الله عليه وآله وسلم أجلّ من أن يُروى عنه مثل هذه الخرافات . وفي كتب التفسير من هذا الخلط وأحاديث الخرافة شيء كثير ، ورووا في هذا عن عبد اللّه بن عمرو ، وعبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن مسعود ، وعن كعب الأحبار . ولكي تتأكّد أنّ ما رفع إلى رسول اللّه إنّما هي إسرائيليّات ، وقد نسبت إلى النبيّ زورا وكذبا ، نذكر لك ما روي عن كعب ، قال : « خُلق يأجوج ومأجوج ، ثلاثة أصناف : صنف كالأَرز ، وصنف أربعة أذرع طول ، وأربعة أذرع عرض ، وصنف يفترشون آذانهم ، ويلتحفون بالأخرى ، يأكلون مشائم « 2 » نسائهم » . وعلى حين نراهم يذكرون من هول وعظم خلقهم ما سمعت ؛ إذ هم يروون عن ابن عبّاس رحمه الله أنّه قال : « إنّ يأجوج ومأجوج شبر ، وشبران ، وأطولهم ثلاثة أشبار ، وهم من وِلْد آدم » ، بل رووا عنه أنّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « بعثني اللّه ليلة أُسري بي إلى يأجوج ومأجوج ، فدعوتهم إلى دين اللّه وعبادته فأبوا أن يجيبوني ، فهم في النار ، مع من عصى من وِلْد آدم وإبليس » . والعجب أنّ السيوطيّ قال عن هذا الحديث : إنّ سنده واهٍ . ولا أدري لِمَ ذكره مع وهاء

--> ( 1 ) - . اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، ج 1 ، ص 173 فما بعد . ( 2 ) - . جمع مشيمة ، وهي ما ينزل مع الجنين حين يولّد ، وبها يتغذّى في بطن امّه .