الشيخ محمد هادي معرفة

17

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

* * * ولعلّ أوّل من توسّع في التفسير وضمّ إلى جانب المعاني جوانب اخر ، ولا سيّما التعرّض لأدب القرآن وذكر خصائص اللغة ، واجتهد في ذلك ، هو أبو زكريّا يحيى بن زياد الفرّاء المتوفّى سنة ( 207 ه . ) . يذكر ابن النديم في الفهرست أنّ أبا العبّاس ثعلب قال : كان السبب في إملاء كتاب الفرّاء في معاني القرآن ، أنّ عمر بن بكير كان من أصحابه ، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل . فكتب إلى الفرّاء : أنّ الأمير الحسن بن سهل ، ربّما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن ، فلا يحضرني فيه جواب . فإن رأيت أن تجمع لي اصولًا ، أو تجعل في ذلك كتابا ، أرجع إليه فعلت . فقال الفرّاء لأصحابه : اجتمعوا حتّى أُملي عليكم كتابا في القرآن ، وجعل لهم يوما ، فلمّا حضروا خرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذّن ويقرأ بالناس في الصلاة . فالتفت إليه الفرّاء ، فقال له : اقرأ بفاتحة الكتاب نفسّرها ، ثمّ نوفي الكتاب كلّه . فقرأ الرجل ويفسّر الفرّاء . قال أبو العبّاس : لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسب أنّ أحدا يزيد عليه « 1 » . ولا شكّ أنّ تفسير الفرّاء هذا هو أوّل تفسير تعرّض لآيات القرآن آية آية ، حسب ترتيب المصحف وفسّرها على التتابع ، وتوسّع فيه . وكانت التفاسير قبله تقتصر على تفسير المشكل ، وبصورة متقطّعة ، غير مستوعبة لجميع الآيات على التتابع . وقد جنح إلى هذا الرأي الأستاذ أحمد أمين المصريّ في ضحى الإسلام « 2 » . وعلى أيّ تقدير ، فإنّ ذلك يُعدّ أوّل بذرة غُرست للتفسير المدوّن بشكل رتيب . فقد كان القرن الثاني من بدايته إلى نهايته ، عهد تطوّر التفسير ، من مرحلة تناقله بالحفظ إلى مرحلة كتابته بالثبت . كما أخذ بالتوسّع والشمول أيضا بعد ما كان مقتصرا على النقل بالمأثور .

--> ( 1 ) - . الفهرست لابن النديم ، ص 105 . ( 2 ) - . ضحى الإسلام لأحمد أمين ، ج 2 ، ص 140 - 141 .