الشيخ محمد هادي معرفة
146
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
سألت ، فقليل من كثير ما رأيت . ثمّ أمر اللّه ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى ، فاعترضوا عليه . فهبطوا أمثال النسور ، لهم قصف ، ورجف ، ولجب شديد ، وأفواههم تنبع بالتسبيح ، والتقديس كجلب الجيش العظيم ، ألوانهم كلهب النار . ففزع موسى ، واشتدّ فزعه ، وأيس من الحياة ، فقال له خير الملائكة : مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه . ثمّ أمر اللّه ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا ، فاعترضوا على موسى بن عمران . فهبطوا عليه ، لايشبههم شيءٌ من الذين مرّوا به قبلهم ، ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض ، أصواتهم عالية بالتقديس والتسبيح ، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرّوا به من قبلهم ؛ فاصطكّت ركبتاه ، وارتعد قلبه ، واشتدّ بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران اصبر لما سألت ، فقليل من كثير ما رأيت . ثمّ أمر اللّه ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا ، فاعترضوا على موسى . فهبطوا عليه ، لهم سبعة ألوان ، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ، لم ير مثلهم ، ولم يسمع مثل أصواتهم ؛ فامتلأ جوفه خوفا ، واشتدّ حزنه ، وكثر بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران مكانك ، حتّى ترى بعض ما لا تصبر عليه . ثمّ أمر اللّه ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه . فهبطوا عليه في يد كلّ ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارا أشدّ ضوءا من الشمس ، ولباسهم كلهب النار ، إذا سبّحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلّهم ، يقولون بشدّة أصواتهم : سبّوح قدّوس ، ربّ الملائكة والروح ، ربّ العزّة أبدا لا يموت . وفي رأس كلّ ملَك منهم أربعة أوجه . فلمّا رآهم موسى رفع صوته ، يسبّح معهم حين سبّحوا ، وهو يبكي ويقول : ربّ اذكرني ولا تنس عبدك ، لا أدري أأنفلت ممّا أنا فيه أم لا ؟ إن خرجت احترقت ، وإن مكثت متّ ، فقال له كبير الملائكة ورأسهم : قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتدّ خوفك ، وينخلع قلبك ، فاصبر للذي سألت . ثمّ أمر اللّه أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة ، فلمّا بدا نور العرش ، انفرج الجبل