الشيخ محمد هادي معرفة

131

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فهو أقلّ خشية ؛ فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض . فلمّا وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة ، قيل لهما : اختارا عذاب الدنيا ، أو عذاب الآخرة ، فقالا : أمّا عذاب الدنيا فينقطع ، ويذهب وأمّا عذاب الآخرة فلا انقطاع له ، فاختارا عذاب الدنيا ، فجُعلا ببابل ، فهما بها يُعذّبان معلّقَين بأرجلهما . وفي بعض الروايات ، أنّهما علّماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء ، فصعدت ، فمسخها اللّه ، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة . ويذكر السيوطيّ وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، والبيهقيّ في سننه ، عن عائشة : أنّها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل ، وأنّها أخبرتها أنّها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا ، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر ، ولم يمض غير قليل ، حتّى وقفتا ببابل . فإذا هما برجلين معلّقَين بأرجلهما ، وهما هاروت وماروت ، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصّة عجيبة غريبة . ويذكر أيضا : أنّ ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعيّ ، عن هارون بن رباب ، قال : دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة ، وهو متّكئٌ عليها ، فقالوا : هذا قد لقي هاروت وماروت ، فقلت هذا ، قالوا : نعم ، فقلت : حدِّثنا رحمك اللّه ، فأنشأ الرجل يحدّث بقصّة عجيبة غريبة « 1 » . وكلّ هذا من خرافات بني إسرائيل ، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل ولا نقل ولا شرع ، ولم يقف بعض رواة هذا القَصَص الخرافيّ الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ، ولكنّهم أوغلوا باب الإثم ، والتجنّي الفاضح ، فألصقوا هذا الزور إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورفعوه إليه . فقد قال السيوطيّ : أخرج سعيد ، وابن جرير ، والخطيب في تاريخه ، عن نافع ، قال : سافرت مع عبد اللّه بن عمر ، فلمّا كان من آخر الليل قال : يا نافع ، انظر هل طلعت الحمراءُ ؟ قلت : لا ، مرّتين أو ثلاثا ، ثمّ قلت : قد طلعت . قال : لا مرحبا بها ، ولا أهلًا . قلت : سبحان

--> ( 1 ) - . الدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 101 ؛ تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 366 .