الشيخ محمد هادي معرفة
113
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
يقصّ قصصه قائما في المسجد النبويّ ، علانيةً على رؤوس الأشهاد في هذا العهد « 1 » ، كما أصاخ بأُذنيه لمخاريق كعب . يقول ابن كثير بعد ما ساق الروايات في أنّ الذبيح هو إسحاق : وهذه الأقوال كلّها مأخوذة عن كعب الأحبار ، فإنّه لمّا أسلم في الدولة العمريّة جعل يحدّث عمر عن كتبه قديما ، فربّما استمع له عمر ، فترخّص الناس في استماع ما عنده ، ونقلوا ما عنده عنه ، غثّها وسمينها ، وليس لهذه الامّة حاجة إلى حرف واحد ممّا عنده « 2 » . فقد كان العقد الثاني بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عهد رواج القِصَصِ الاسطوريّة والإسرائيليّات ، حسبما قال الدكتور أبو شهبة : إنّ بدعة القصّ قد حدثت في آخر عهد الفاروق : عمر بن الخطّاب « 3 » . * * * وهل كان هناك نكير على هذا الفعيل ؟ كان عمر بين حين وآخر يشدّد النكير على هذا الصنيع ، ولكن من غير تداوم عليه ، فكان هناك - رغم تشديد عمر - أناس يقومون بنسخ أو ترجمة كتب العهد القديم ، والتحديث عنها بين المسلمين ، أمّا المراجعة إلى أهل الكتاب والقصّ على الناس فقد تعارف وشاع ذلك العهد . أخرج الحافظ أبو يعلي الموصليّ عن خالد بن عرفطة ، قال : كنت جالسا عند عمر ، إذ أُتي برجل مسكنه السوس « 4 » . فقال له عمر : أنت فلان بن فلان العبديّ ؟ قال : نعم . قال : وأنت النازل بالسوس ؟ قال : نعم . فضربه بقناةٍ معه . فقال الرجل : ما لي يا أمير المؤمنين ؟ ! فقال له عمر : اجلس ، فجلس ، فقرأ عليه : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا
--> ( 1 ) - . سير أعلام النبلاء ، ج 2 ، ص 447 . ( 2 ) - . راجع : تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 17 . ( 3 ) - . الإسرائيليّات والموضوعات ، ص 89 . ( 4 ) - . سوس : مدينة شوش التي بها قبر دانيال ، من أرض خوزستان .