الشيخ محمد هادي معرفة

92

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فقوله تعالى : « قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » « 1 » . كان المقصود : المشيئة وَفق الحكمة ، فيؤتي المُلك من اقتضت حكمته تعالى ، وينزع المُلك ممّن اقتضت حكمته . وهكذا « نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ » « 2 » ، أي من تقتضيه حكمتنا أن نرفعه ، أي من كانت المقتضيات متوفّرة في ذات نفسه ، فالاقتضاء إنّما هو في ذاته ، فهو محلّ صالح لهذه العناية الربّانيّة ، وليس اعتباطا أو ترجيحا من غير مرجّح ؛ حيث الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها . والدليل على ذلك ، تذييل الآية بقوله : « إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » فالحكيم لا يشاء شيئا إلّا ما كان وَفق حكمته ، وليس مطلق المشيئة . * * * والتعابير من هذا القبيل كثيرة في القرآن ، وإنّما هي مصطلحات قرآنيّة ، لا تعرف إلّا من قبله ؛ ليكون القرآن هو الذي يفسّر بعضه بعضا . ومن المصطلح المتعارف في القرآن ، اعتماده المعهود من قرائن حاليّة ، ليصدر أحكاما في صورة قضايا خارجيّة - إشارة إلى المعهود الحاضر حال الخطاب - وليست بقضايا حقيقيّة ، حتّى تكون الأحكام مترتّبة على الموضوعات ، متى وُجدت وأين وُجدت . هذه الظاهرة كثيرة الدور في القرآن الكريم ، وربّما زعم زاعم أنّها قضايا حقيقيّة دائمة ، وليست كذلك . مثلًا قوله تعالى : « لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ » « 3 » . ليس المراد مطلَق اليهود ، سواء من عاصر نبيّ الإسلام أم غيرهم ، ولا مطلق من

--> ( 1 ) - . آل عمران 26 : 3 . ( 2 ) - . الأنعام 83 : 6 . ( 3 ) - . المائدة 82 : 5 .