الشيخ محمد هادي معرفة

87

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يمكن إرادة معنى آخر كذلك في استعمال واحد ، مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه الأوّل في نفس الوقت . هكذا جاء في تقرير كلام العلّامة الأُصوليّ الكبير المحقّق الخراسانيّ « 1 » . وجاء الخلف ليجعلوا من هذا الامتناع العقليّ ممكنا في ذاته ، وممتنعا في العادة ؛ حيث لم يتعارف ذلك ولم يعهد استعمال لفظة وإرادة معنيين مستقلّين في المتعارف العامّ ، فالاستعمال كذلك كان خلاف المتعارف حتّى ولو كان ممكنا في ذاته ، نظرا لأنّ الاستعمال ( استعمال اللفظة وإرادة المعنى ) إنّما هو بمثابة جعل العلامة من قبيل الإشارات والعلائم الإخطاريّة ، فلا مانع عقلًا من استعمال علامة لغرض الإخطار إلى معنيين أو أكثر ؛ إذا كان اللفظ صالحا له بالذات ، فيما إذا كان قد وضع لكلا المعنيين مشتركا لفظيّا ، أو أمكن انتزاع مفهوم عامّ . نعم ، لم يعهد ذلك في الاستعمالات المتعارفة . الأمر الذي استسهله القرآن وخرج على المتعارف ، وجعله جائزا وواقعا في استعمالاته « 2 » . فقد استعمل اللفظة وأراد معناها الظاهريّ ، حسب دلالته الأوّليّ ، لكنّه في نفس الوقت صاغ منه مفهوما عامّا وشاملًا ثانيا ، يشمل موارد أُخر ليكون هذا المفهوم العامّ الثانويّ هو الأصل المقصود بالبيان ، والضامن لبقاء المفاهيم القرآنيّة عامّة وشاملة عبر الأيّام ، وليست بالمقتصرة على موارد النزول الخاصّة . وكان المفهوم البدائيّ للآية ، والذي كان حسب مورد نزولها الخاصّ ، هو معناها الظاهر ، ويسمّى ب - « التّنزيل » . أمّا المفهوم العامّ المنتزع من الآية الصالح للانطباق على الموارد المشابهة ، فهو معناها الباطن ، المعبّر عنه ب - « التأويل » ، وهذا المفهوم الثانويّ العامّ للآية هو الذي ضمن لها البقاء عبر الأيّام .

--> ( 1 ) - . هو المولى محمّد كاظم الخراسانيّ صاحب كفاية الأصول راجع : حقائق الأصول للإمام الحكيم ، ج 1 ، ص 89 - 90 . ( 2 ) - . وذلك نظرا لإحاطته تعالى وشمول عنايته لجميع عباده . ولا يخفى أنّ المفهوم العامّ المنتزع من الآية ، هو بنفسه معنى آخر مقصود مستقلًاّ وراء إرادة المعنى الظاهري الأوّليّ ، فكلّ من المعنيين الظاهر والباطن مقصود بذاته ، وإن كان المعنى الظاهري مندرجا تحت المفهوم العامّ المنتزع من الآية .