الشيخ محمد هادي معرفة
72
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وهذا هو معنى قوله تعالى : « وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ » « 1 » ، قال تعالى : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » « 2 » . فإنّ نسيان النفس كناية عن الابتعاد عن معالم الإنسانيّة والشرف التليد « وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ » « 3 » . * * * وقال تعالى : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا » « 4 » . اختلف الفقهاء في موضع القطع من يد السارق ؛ حيث الإبهام في ذات اليد ، أنّها من الكَتِف أم من المرفق أم الساعد أم الكُرسوع ( طرف الزَند ) أم الأشاجع ( أصول الأصابع ) ؟ روى أبو النضر العيّاشيّ في تفسيره بالإسناد إلى زرقان صاحب ابن أبي داود ، قاضي القضاة ببغداد ، قال : أُتي بسارق إلى المعتصم وقد أقرّ بالسرقة ، فسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ ، فجمع الفقهاء يستفتيهم في إقامة حدّ السارق عليه ، وكان ممّن أُحضر محمّد ابن عليّ الجواد عليه السلام ، فسألهم عن موضع القطع . فقال ابن أبي داود : من الكُرسوع ، استنادا إلى آية التيمّم ؛ حيث المراد من اليد في ضربتيه هو الكفّ ، ووافقه قوم . وقال آخرون : من المرفق ، استنادا إلى آية الوضوء . فالتفت الخليفة إلى الإمام الجواد يستعلم رأيه ، فاستعفاه الإمام ، فأبى وأقسم عليه أن يخبره برأيه . فقال عليه السلام : أمّا إذا أقسمت عليّ باللّه ، إنّي أقول : إنّهم أخطأوا فيه السنّة ، فإنّ القطع يجب أن يكون من مَفصِل أصول الأصابع ، فيُترك الكفّ . قال المعتصم : وما الحجّة في ذلك ؟ قال الإمام : قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : السجود على سبعة أعضاء : الوجه واليدين والركبتين والرجلين ، فإذا قطعت يده من الكُرسوع أو المرفق ، لم يبق له يد يسجد عليها ،
--> ( 1 ) - . الأنعام 110 : 6 . ( 2 ) - . الحشر 19 : 59 . ( 3 ) - . الأعراف 176 : 7 . ( 4 ) - . المائدة 38 : 5 .