الشيخ محمد هادي معرفة
59
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
والآخر : - وهو أثبت القولين وأصحّهما معنى - من قال في القرآن قولًا يعلم أنّ الحقّ غيره ، فليتبوّأ مقعده من النار . وقال : وأمّا حديث جُندَب عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » « 1 » ، فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أنّ الرأي معنيّ به الهوى . من قال في القرآن قولًا يوافق هواه ، لم يأخذه عن أئمّة السلف ، فأصاب فقد أخطأ ، لحُكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه . وقال ابن عطيّة : « ومعنى هذا أن يُسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، فيتسوّر عليه برأيه « 2 » دون نظر فيما قال العلماء ، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول . وليس يدخل في هذا الحديث ، أن يفسّر اللغويّون لغته ، والنحويّون نحوه ، والفقهاء معانيه ، ويقول كلّ واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم ونظر ، فإنّ القائل على هذه الصفة ليس قائلًا بمجرّد رأيه » . قال القرطبيّ - تعقيبا على هذا الكلام - : هذا صحيح ، وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء ، فإنّ من قال في القرآن بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأُصول فهو مخطئ ، وإنّ من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتّفق على معناها ، فهو ممدوح . وقال بعض العلماء : إنّ التفسير موقوف على السماع ، للأمر بردّه إلى اللّه والرسول « 3 » . قال : وهذا فاسد ؛ لأنّ النهي عن تفسير القرآن لا يخلو : إمّا أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والسماع وترك الاستنباط ، أو المراد به أمرا آخر . وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه ، فإنّ الصحابة قد قرأوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه ، وليس كلّ ما قالوه سمعوه من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد دعا لابن عباس : « اللّهمّ فقّهه
--> ( 1 ) - . جامع الترمذيّ ، ج 5 ، ص 200 ، رقم 2952 . ( 2 ) - . تسوّر الحائط : هجم عليه هجوم اللصّ وتسلّقه . ويعني به هنا : التهجّم والإقدام بغير بصيرة ولا وعي . ( 3 ) - . النساء 59 : 4 .