الشيخ محمد هادي معرفة

46

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وروي عنه أنّه قال : أدركتهم - أي الأوائل - وما شيء أبغض إليهم أن يُسألوا عنه ولا هم له أهيب ، من القرآن . ذكره صاحب كتاب المباني . ورووا في ذلك بطريق ضعيف عن عائشة ، قالت : « ما كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يفسّر شيئا من القرآن إلّا آيا تُعَدّ ، علّمهنّ إيّاه جبريل » « 1 » ، أي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يفسّر إلّا القلائل من الآيات ، تلك القلائل أيضا كان بوحي وتوقيف ، ولم يكن عن فهمه . وروي عن إبراهيم ، قال : « كان أصحابنا يتّقون التفسير ويهابونه » . * * * قال ابن كثير : فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمّة السلف ، محمولة على تحرّجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه . فأمّا من تكلّم بما يعلم من ذلك لغةً وشرعا فلا حرج عليه ؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة ؛ لأنّهم تكلّموا فيما علموه وسكتوا عمّا جهلوه . وهذا هو الواجب على كلّ واحد ، فإنّه كما يجب السكوت عمّا لا علم به ، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه ممّا يعلمه ؛ لقوله تعالى : « لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ » « 2 » . وبعين ذلك ذكر ابن تيميّة في مقدّمته « 3 » . وقال ابن جرير الطبريّ : إنّ معنى « إحجام » مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من علماء السلف ، إنّما كان إحجامه عنه حذرا أن لا يبلغ أداء ما كُلّف من إصابة صواب القول فيه ، لا على أنّ تأويل ذلك محجوب عن علماء الامّة ، غير موجود بين أظهرهم « 4 » . قلت : والدليل على صحّة ذلك أنّ من تحرّج من القول في معاني القرآن من السلف ، كانوا هم القلّة القليلة من الأصحاب والتابعين ، أمّا الأكثريّة الساحقة من علماء الامّة

--> ( 1 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 29 ؛ مقدّمة المباني في نظم المعاني ، ص 183 - 184 . ( 2 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 1 ، ص 6 . وآل عمران 187 : 3 . ( 3 ) - . مقدّمة في أصول التفسير ، ص 55 . ( 4 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 30 .