الشيخ محمد هادي معرفة

308

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وربّما التحمّل لما كان المناوِئون يهابون موضع سيّده ابن عبّاس ، فوجدوا من تلميذه مندوحة ليقدحوا فيه ويجرحوه . نموذج من تفسيره كان يرى من آية الوضوء « 1 » نزولها بمسح الأرجل دون غَسلها ، ولم يزل عمله على ذلك ، وإن استُدعي مخالفة عامّة الفقهاء في عصره . قال يونس : حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط ، قال : فما رأيته غسل رجليه ، إنّما كان يمسح عليهما « 2 » . وأخرج الطبريّ بإسناده إلى عبد اللّه العتكيّ عن عكرمة ، قال : « ليس على الرجلين غَسل ، إنّما نزل فيهما المسح » . وهكذا أخرج بإسناده إلى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عبّاس ، قال : « الوضوء غَسلتان ومسحتان » . وكذا عن جمع كثير من التابعين ، ولا سيّما المتأثّرين بمدرسة ابن عبّاس ، أمثال قتادة والضحّاك والشعبيّ والأعمش وغيرهم . وجماعة من الصحابة أمثال أنس بن مالك وجابر بن عبد اللّه وغيرهما ، ذهبوا إلى أنّ القرآن نزل بمسح الأرجل لا غَسلها « 3 » . قال أمين الإسلام الطبرسيّ : اختُلف في ذلك ، فقال جمهور الفقهاء : إنّ فرضهما الغَسل . وقالت الإماميّة : فرضهما المسح لا غير ، وبه قال عكرمة . وقد رُوي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عبّاس وأنس وأبي العالية والشعبيّ . وقال الحسن البصريّ : بالتخيير بين الغَسل والمسح . قال : وأمّا ما رُوي عن سادة أهل البيت عليهم السلام في ذلك ، فأكثر من أن تُحصى « 4 » . وللطبرسيّ هنا بشأن المسألة تحقيق لطيف ، ينبغي لروّاد الحقيقة مراجعته .

--> ( 1 ) - . المائدة 6 : 5 . ( 2 ) - . مجمع البيان ، ج 3 ، ص 165 ؛ تفسير الطبريّ ، ج 6 ، ص 83 . ( 3 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 6 ، ص 82 - 83 ؛ السنن الكبرى للبيهقيّ ، ج 1 ، ص 72 ، عن ابن عبّاس قال : ما أجد في الكتاب إلّا غسلتين ومسحتين . كما أخرج في ص 44 عن رفاعة بن رافع : المسح على الرِجلين . ( 4 ) - . مجمع البيان ، ج 3 ، ص 164 .