الشيخ محمد هادي معرفة
301
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومن الواضح أنّ هكذا تشبّثات غريبة إنّما تنمّ عن حسد كان يحمله مناوِئوه تجاه منزلة الرجل وشموخه في الفقه والعلم ، بمعاني القرآن الكريم . قال ابن حجر - بشأن الرواية عن ابن عمر - : إنّها ضعيفة الإسناد ، فضلًا عن اختلاف المتن وتباين النقل فيها . قال : إنّها لم تَثبُت ؛ لأنّها من رواية أبي خلف الجزّار عن يحيى البكّاء ، والبكّاء متروك الحديث . ومن ثَمّ قال ابن حبّان : ومن المحال أن يجرّح العدل بكلام المجروح . يقصد به البكّاء . وأضاف ابن حجر : أنّ إسحاق بن عيسى سأل مالكا : أَ بَلَغَك أنّ ابن عمر قال لنافع كذا ؟ قال : لا ، ولكن بلغني أنّ سعيد بن المسيّب قال ذلك لمولاه برد ! « 1 » قلت : ولقد كان رميه بالكذب شائعا على عهده ، وربّما على عهد سيّده ابن عبّاس أيضا ؛ حيث ورد الذَّبّ عن نفسه صريحا ، وإنكار ابن عبّاس ذلك . قال ابن حكيم : كنت جالسا مع أبي أُمامة بن سهل بن حنيف ، إذ جاء عكرمة ، فقال : يا أبا أُمامة ، أُذكّرك اللّه ، هل سمعت ابن عبّاس يقول : « ما حدّثكم عكرمة عنّي فصدّقوه ، فإنّه لم يكذب عليّ » ؟ فقال أبو أُمامة : نعم « 2 » . وقال أيّوب : قال عكرمة : أرأيت هؤلاء الذين يكذّبوني من خلفي ، أفلا يكذّبوني في وجهي ! قال ابن حجر : يعني أنّهم إذا واجهوه بذلك أمكنه الجواب عنه والمَخرج منه . وذلك أنّ عكرمة كان يسمع الحديث من شيخ ومثله من شيخ آخر ، فربّما حدّث وأسنده إلى الأوّل ، ثمّ يحدّث ويسنده إلى الآخر ، فمن ذلك رموه بالكذب ، كما قال أبو الأسود : كان عكرمة ربّما سمع الحديث من رجلين ، فكان إذا سئل ، حدّث به عن رجل ، ثمّ يُسأل عنه بعد حين فيحدِّث به عن الآخر ، فيقولون : ما أكذبه ! وهو صادق « 3 » . قال ابن حجر : احتجّ بحديث عكرمة البخاريّ وأصحاب السنن ، وتركه مسلم - إلّا
--> ( 1 ) - . مقدّمة فتح الباري ، ص 425 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 427 ؛ تهذيب التهذيب ، ج 7 ، ص 265 . ( 3 ) - . مقدّمة فتح الباري ، ص 427 .