الشيخ محمد هادي معرفة

289

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كقلوب القردة لا تقبل وعظا ولا تتّقي زجرا . قال الطبرسيّ : وهذا يخالف الظاهر الذي عليه أكثر المفسّرين من غير ضرورة تدعو إليه « 1 » . وللزمخشريّ هنا كلام يُشبه تفسير مجاهد ، في دقّة أدبيّة لطيفة . قال : قوله تعالى : « كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » خَبَران ، أي كونوا جامعين بين القرديّة والخُسوء ، وهو الصَغار والطرد « 2 » . ومن ثَمّ قال المولى جمال الدين أبو الفتوح الرازيّ - من أعلام القرن السادس - : مجاهد گفت : معنى آن است « أذلّاء صاغرين » ذليل ومهين . ودر اين عظتى وعبرتي است آنان‌را . . « 3 » . قال الإمام الرازيّ ( 544 - 606 ه . ) : إنّ ما ذكره مجاهد - رحمه اللّه - غير مستبعد جدّا ، لأنّ الإنسان إذا أصرّ على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البيّنات ، فقد يقال - في العرف الظاهر - : إنّه حمار وقرد . وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة ، لم يكن في المصير إليه محذور البتّة « 4 » . قلت : ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى - في سورة المائدة - : « مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ » « 5 » . بدليل عطف « وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ » ، وكذا عطف « الْخَنازِيرَ » . وهذان لم يأت ذكرهما في سائر القرآن ؛ فيكون المعنى : أنّ من شديد العقوبة أن يتحوّل الإنسان من شموخ كرامته واعتلاء شرفه ، إلى سافل مبتذل يحمل سمات القردة والخنازير ، مُهانا لئيما ، يرضخ للطواغيت رضوخ الذليل الحقير . * * *

--> ( 1 ) - . مجمع البيان ، ج 1 ، ص 129 ؛ راجع : تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 263 ؛ تفسير مجاهد ، ص 75 - 76 . ( 2 ) - . الكشّاف ، ج 1 ، ص 147 . ( 3 ) - . روض الجنان ، ج 1 ، ص 217 . ( 4 ) - . التفسير الكبير ، ج 3 ، ص 111 . ( 5 ) - . المائدة 60 : 5 .