الشيخ محمد هادي معرفة

27

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فقد أخذنا بمفهومه العامّ : كلّ ما يوزن به الشيء ، أيّ شيء كان مادّيّا أم معنويّا ، فإنّه يشمل كلّ مقياس أو معيار كان يقاس به أو يوزن به في جميع شؤون الحياة ، ولا يختصّ بهذه الآلة المادّيّة فحسب . قال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ : فالميزان آلة التعديل في النقصان والرجحان ، والوزن يعدل في ذلك . ولولا الميزان لتعذّر الوصول إلى كثير من الحقوق ؛ فلذلك نبّه تعالى على النعمة فيه والهداية إليه . وقيل : المراد بالميزان : العدل ؛ لأنّ المعادلة موازنة الأسباب « 1 » . وروى محمّد بن العبّاس المعروف بماهيار ( ت . ح 330 ) - في كتابه الذي وضعه لبيان تأويل الآيات - بإسناده إلى الإمام الصادق عليه السلام قال : الميزان الذي وضعه اللّه للأنام ، هو الإمام العادل الذي يحكم بالعدل ، وبالعدل تقوم السماوات والأرض ، وقد أمر الناس أن لا يطغوا عليه ويطيعوه بالقسط والعدل ، ولا يبخسوا من حقّه ، أو يتوانوا في امتثال أوامره « 2 » . * * * وهكذا قوله تعالى : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ » « 3 » كانت دلالة الآية في ظاهر تعبيرها واضحة ؛ إنّ نعمة الوجود ووسائل العيش والتداوم في الحياة ، كلّها مرهونة بإرادته تعالى وَفق تدبيره الشامل لكافّة أنحاء الوجود . واللّه تعالى هو الذي مهّد هذه البسيطة لإمكان الحياة عليها ، ولولا فضل اللّه ورحمته لعباده لضاقت عليهم الأرض بما رحُبت . هذا هو ظاهر الآية الكريمة ، حسب دلالة الوضع والمتفاهم العامّ . وللإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام بيان يمسّ جانب باطن الآية ودلالة فحواها العامّ ، قال :

--> ( 1 ) - . التبيان للشيخ الطوسيّ ، ج 9 ، ص 463 . ( 2 ) - . نقلًا بالمعنى ، راجع : تأويل الآيات الظاهرة للسيّد شرف الدين الأستر آباديّ ، ج 2 ، ص 632 - 633 . ( 3 ) - . الملك 30 : 67 .