الشيخ محمد هادي معرفة

264

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأخيرا قال : واعلم أنّ القرآن قسمان : أحدهما ورد تفسيره بالنقل عمّن يعتبر تفسيره ، وقسم لم يرد . والأوّل ثلاثة أنواع : إمّا أن يرد التفسير عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو عن الصحابة ، أو عن رؤوس التابعين . فالأوّل : يبحث فيه عن صحّة السند . والثاني : يُنظر في تفسير الصحابيّ ، فإن فسّره من حيث اللغة ، فَهُم أهل اللسان ، فلا شكّ في اعتمادهم ، وإن فسّره بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شكّ فيه . وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة ، فإن أمكن الجمع فذاك ، وإن تعذّر قُدِّم ابن عبّاس « 1 » . وسيأتي نقل كلامه في الرجوع إلى التابعيّ . * * * هذا ما يقتضيه ظاهر البحث في هذا المجال . وأمّا الذي جرى عليه مذهب علمائنا الأعلام ، فهو : إنّ التفسير المأثور من الصحابيّ - مهما كان على جلالة من القدر والمنزلة - فإنّه موقوف عليه ، لا يصحّ إسناده إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يسنده هو بالذات . وهذا منهم مطلق ، سواء أكان للرأي فيه مدخل أم لا ؛ لأنّه إنّما نطق عن علمه ، حتّى ولو كان مصدره التعليم من النبيّ ، ما لم يصرّح به ؛ إذ من الجائز أنّه من استنباطه الخاصّ ، استخرجه من مبان وأصول تلقّاها من حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . أمّا التنصيص على هذا الفرع المستنبَط بالذّات فلم يكن من النبيّ ، وإنّما هو من اجتهاد الصحابيّ الجليل ، ومرتبط مع مبلغ فطنته وسعة دائرة علمه ، والمجتهد قد يَخطأ ، وليس الصواب حليفه دائما ، ما لم يكن معصوما . ومن ثَمّ فإنّ الذي يصدر من أئمّتنا المعصومين عليهم السلام نسنده إليهم ، وإن كنّا على علم ويقين أنّه تعلّم من ذي علم عليم ، ذلك أنّه حجّة لدينا ؛ لأنّه صادر من منبع معصوم . ميزات تفسير الصحابيّ يمتاز تفسي - ر الصحاب - يّ بأمور خمسة لم تتوفّر جميعا في سائر التفاسير المتأخّرة : أوّلًا : بساطته ، بما لم يتجاوز بضع كلمات في حلّ مُعضل أو رفع إبهام ، في بيان وافٍ

--> ( 1 ) - . المصدر نفسه ، ص 172 .