الشيخ محمد هادي معرفة
219
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بالمنثور من الكلام ، ويريد كلّ واحد منهم من ذلك الفعل ، حصول الشّهرة والترفّع بمآثر سلفه . فلمّا أنعم اللّه عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربّهم كذكرهم لآبائهم أو أشدّ ذكرا » « 1 » . وهكذا لمّا تساءل بعضهم : ما وجه قوله تعالى : « فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » « 2 » أي لا حرج عليه ولا مأثم في السعي بين الصفا والمروة . وظاهره نفي البأس ، أي عدم المنع ، وهو لا يقتضي الوجوب ، مع أنّ قوله تعالى - في صدر الآية - : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . . . » يستدعي الوجوب ؛ لأنّه خبر في معنى الأمر ؟ ! وقد كان ذلك موضع تساؤل منذ أوّل يومه . أخرج الطبريّ بإسناده إلى عمرو بن حبيش قال : قلت لعبد اللّه بن عمر : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » ، قال : انطلق إلى ابن عبّاس فاسأله فإنّه أعلم من بقي بما أُنزل على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم . قال : فأتيت ابن عبّاس فسألته ، فقال : إنّه كان عندهما أصنام ، فلمّا أسلموا أمسكوا عن الطّواف بينهما حتّى أُنزلت « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ » « 3 » . كان المشركون قد وضعوا على الصفا صنما يقال له : « أساف » ، وعلى المروة « نائلة » . فلمّا اعتمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عمرة القضاء تحرّج المسلمون عن السعي بينهما ، زعما منهم أنّ السعي بينهما شيء كان صنعه المشركون تزلّفا إلى الصنمين ، فأنزل اللّه أن لا حرج ولا موضع لما وهمه أناس « 4 » . مراجعة أهل الكتاب وهل كان ابن عبّاس يراجع أهل الكتاب في فهم معاني القرآن ؟ سؤال أُجيب عليه بصورتين : إحداهما مبالغ فيها ، والأخرى معتدلة إلى حدّ ما ؛ كانت مراجعته لأهل الكتاب - كمراجعة سائر الأصحاب - في دائرة ضيّقة النطاق ، في أمور
--> ( 1 ) - . التفسير الكبير ، ج 5 ، ص 183 . ( 2 ) - . البقرة 158 : 2 . ( 3 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 2 ، ص 28 ؛ الدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 159 . ( 4 ) - . مجمع البيان ، ج 1 ، ص 240 .