الشيخ محمد هادي معرفة

208

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الوقوف على تلك المناسبة ، لما أمكن فهم مرامي الآية بالذات ، فلا بدّ لدارس معاني القرآن أن يراعي قبل كلّ شيء شأن نزول كلّ آية آية ، ويهتمّ بأسباب نزولها . هذا إذا كان لنزولها شأن خاصّ ، فلا بدّ من النظر والفحص . وهكذا اهتمّ حِبر الامّة بهذا الجانب ، واعتمد كثيرا لفهم معاني القرآن على معرفة أسباب نزولها ، وكان يسأل ويستقصي عن الأسباب والأشخاص الذين نزل فيهم قرآن وسائر ما يمسّ شأن النزول ، وهذا من امتيازه الخاصّ الموجب لبراعته في التفسير . وقد مرّ حديث إتيانه أبواب الصحابة يسألهم الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم « 1 » . كان حريصا على طلب العلم ومنهوما لا يشبع : من ذلك ما رواه جماعة كبيرة من أصحاب الحديث ، بإسنادهم إلى ابن عبّاس ، قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اللّتين قال اللّه تعالى بشأنهما « إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما . . . » « 2 » حتّى حجَّ عمر وحججت معه ، فلمّا كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالأداوة ، فتبرّز ثمّ أتى ، فصببت على يديه فتوضّأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اللتان قال اللّه : « إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما » ؟ فقال : وا عجبا لك يا ابن عبّاس ! هما : عائشة وحفصة « 3 » . وفي تفسير القرطبيّ ، قال ابن عبّاس : مكثت سنتين أُريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يمنعني إلّا مهابته ، فسألته ، فقال : هما حفصة وعائشة « 4 » . ولقد بلغ في ذلك الغاية ، حتّى لنجد اسمه يدور كثيرا في أقدم مرجع بين أيدينا عن سبب النزول ، وهو سيرة ابن إسحاق التي جاء تلخيصها في سيرة ابن هشام . قال : وكان ابن عبّاس يقول : فيما بلغني نزل في النضر بن حارث ثماني آيات من القرآن : قول اللّه عزّ وجلّ : « إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » « 5 » ، وكلّ ما ذكر فيه من

--> ( 1 ) - . الإصابة ، ج 2 ، ص 331 - 332 . ( 2 ) - . التحريم 4 : 66 . ( 3 ) - . الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 242 . ( 4 ) - . تفسير القرطبيّ ، ج 1 ، ص 26 . ( 5 ) - . القلم 15 : 68 .