الشيخ محمد هادي معرفة

206

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

من كلام العرب الأوائل ؛ لأنّ القرآن نزل بلغتهم ، وعلى أساليب كلامهم المعروف . وفيه أيضا نكات ودقائق عن مسائل المبدأ والمعاد ، وعن فلسفة الوجود وأسرار الحياة ، لا يبلغ كنهها ولا يعرفها على حقيقتها غير أُولي العلم ، ممّن وقفوا على أصول المعارف ، وتمكّنوا من دلائل العقل والنقل الصحيح . وبقي من المتشابه ما لا يعلمه إلّا اللّه ، إن أُريد به الحروف المقطّعة في أوائل السور ؛ حيث هي رموز بين اللّه ورسوله ، لم يُطلع اللّه عليها أحدا من العباد سوى النبيّ والصّفوة من آله ؛ علّمهم إيّاها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم . وإن أُريد به ما سوى ذلك ممّا وقع متشابها من الآيات ، فإنّه لا يعلم تأويلها إلّا اللّه والراسخون في العلم ، وهم رسول اللّه والعلماء الذين استقوا من منهل عذبه الفرات ، لا سبيل إلى معرفتها عن غير طريق الوحي . فالعلم به خاصّ باللّه ومن ارتضاه من صفوة خلقه . * * * وعلى ضوء هذا التقسيم الرباعيّ يمكننا الوقوف على مباني التفسير التي استندها ابن عبّاس في تفسيره العريض : أوّلًا : مراجعة ذات القرآن في فهم مراداته إذ خير دليل على مراد أيّ متكلّم ، هي القرائن اللفظيّة التي تحفّ كلامه ، والتي جعلها مسانيد نطقه وبيانه ، وقد قيل : للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء ما دام متكلّما ، هذا في القرائن المتّصلة . وكثيرا مّا يعتمد المتكلّمون على قرائن منفصلة من دلائل العقل أو الأعراف الخاصّة ، أو ينصب في كلام آخر له ما يفسّر مراده من كلام سبق ، كما في العموم والخصوص ، والإطلاق والتقييد ، وهكذا . . . فلو عرفنا من عادة متكلّم اعتماده على قرائن منفصلة ، ليس لنا حمل كلامه على ظاهره البدائيّ ، قبل الفحص واليأس عن صوارفه . والقرآن من هذا القبيل ، فيه من العموم ما كان تخصيصه في بيان آخر ، وهكذا تقييد