الشيخ محمد هادي معرفة
118
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بأنّه آيات بيّنات ، وبأنّه مُنزَل ليتدبّر الناس هذه الآيات ، حتّى قال : « وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » « 1 » ، أي سهّلناه للاتّعاظ . وكُرّرت هذه الآية أربع مرّات في سورة واحدة ! فلا يجوز أن ندّعي أنّ ما يسّره اللّه للتذكّر والاتّعاظ ، معمّى لا يمكن فكّه ، وطَلسم لا يستطاع حلّه . نعم ، إنّ المفسّرين بعد القرنين الأوّلَين تذرّعوا بالفنون الآلية التي وضعوها لضبط قواعد اللغة ، من : نحو وبيان وبديع ومعاني ، إلى زيادة التعمّق في تمحيص الآيات لهذا السبب - وأكثر هذا التعدّد آلي محض - ولكنّ المعاني لم تخرج قطّ عن دائرة الفهم ، فلم يَدّعِ أحد أنّ القرآن لم يفهم في عصر من العصور ، ولا سيّما الآيات المحكمات . وكيف يمكن أن يقال : إنّ محكمات القرآن لم تفهم على حقيقتها ، وقد انبنى عليها الدين كلّه عقائده وعباداته ومعاملاته ؟ ! فاللجنة التي ستدّعي لترجمة القرآن ستنظر في المعاني التي قرّرها أئمّة التفسير ، فإن آنسوا في بعضها - خلافا بينهم - عمدوا إلى اختيار ما رضيه جمهورهم ، مشيرين في الهامش إلى بقيّة الاحتمالات ؛ فتكون الترجمة قد استوعبت جميع الآراء . هذا في آيات العقائد والعبادات والمعاملات . وأمّا الآيات الكونيّة والتاريخيّة والمتشابهات ، فإنّ اللجنة ستترجم معانيها على ما يحتمله اللفظ العربيّ ، ولا تتعرّض لشرحها ، فمثل قوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً . . . » مثل هذه الآية تتولّاها لجنة التفسير فتعطي معناها الصحيح للجنة الترجمة لتُترجمه ، دون أن تتعرّض - هذه الأخيره - لما تشير إليه الألفاظ من الدلالات العلميّة . ولكنّها تجتهد في ترجمة كلمة « تثير » مثلًا لتكون واجدة لجميع خصائصها اللغويّة « 2 » ، تاركة دلالاتها العلميّة إلى عقول القارئين ، تفاديا من الوقوع في مثل هذا الخطأ الكبير الذي وقع فيه الأستاذ
--> ( 1 ) - . القمر 17 : 54 ، 22 ، 32 و 40 . ( 2 ) - . وقد جاءت ترجمة كلمة « تثير » في التراجم الفارسيّة ب - « برمىانگيزد » ، لأنّ معنى « الإثارة » بالفارسيّة « برانگيختن » . وهي تنطبق مع الكلمة في العربيّة تماما .