الشيخ محمد هادي معرفة
113
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
حتّى في المستعمرات العربيّة مثل شمال إفريقيّة . والظاهر أنّهم أرادوا إتمام حصار قلعة الإسلام بمنع تراجم القرآن بلغات أجنبيّة ، فالمسلمون غير العرب لا يعرفون العربيّة ، ولن يجدوا تراجم القرآن بلغات يعرفونها ، فتبقى الساحة فارغة للديانات الأخرى . قال أحد المبشّرين ( وبتعبير أصحّ : أحد المنصّرين ) لبعض علماء الإسلام الساذجين : « القرآن معجزة حقّا ، لا تتحمّل بلاغته الترجمة ! » . فوثب هذا العالم الساذج - لشدّة السرور - وقال : « الفضل ما شهدت به الأعداء ! » وخطب وكتب : « القرآن تصعب أو تستحيل ترجمته » ، وتبعه آخرون ، وفي الخطوة الثانية قالوا : « القرآن لا تجوز ترجمته » . ولكنّ الإنسان يدبّر ، واللّه يقدّر . فالنصارى الذين دسّوا هذه الفكرة ، ظنّوا أنّ العرب سوف لا يقومون بترجمة القرآن ، ولقد صدق ظنّهم بشأن العرب . أمّا سائر المسلمين من غير العرب ، فإنّ التاريخ يشهد بأنّهم اهتمّوا بهذا الأمر ، فقاموا بالترجمة إلى لغاتهم على يد علماء كانوا عارفين بالعربيّة ، فترجموه إلى لغاتهم لتدريس أبنائهم وعامّة أهل بلادهم الذين لم يدرسوا العربيّة « 1 » . قال الدكتور شوّاخ : وهكذا يتّضح لنا ، أنّ الحركة ضدّ ترجمة القرآن إلى سائر اللغات ، انحصرت في بلاد العرب ، وبالدولة العثمانيّة خاصّة ! « 2 » وعلى هذا الغرار ساق الأستاذ الشاطر - رأس المعارضين - أدلّة في المنع عن الترجمة ، وذكر أخطارا سوف تتّجه نحو حامية الإسلام الحصينة ( القرآن الكريم ) إن أصبح عرضة للترجمة إلى لغات أجنبيّة ، نذكر أهمها : 1 - يقول : إنّ الترجمة تضيع بالقرآن ، كما ضاعت التوراة والإنجيل من جرّاء ترجمتهما إلى غير لغتهما الأصل ، فقد ضاع الأصل بضياع لغته وضياع الناطقين بها . فيُخشى أن يحلّ بالقرآن - لا سمح اللّه - لو تُرجم إلى غير لغته ، ما حلّ بأخويه من ذي
--> ( 1 ) - . وسيوافيك - في نهاية المقال - جدول عن مائة وثماني عشرة لغة حيّة ترجم القرآن إليها ، على يد أبنائها الغيارى على الإسلام ، ولا تزال تتزايد مع اتّساع رقعة الزمان . ( 2 ) - . معجم مصنّفات القرآن الكريم للدكتور عليّ شوّاخ إسحاق ، ج 2 ، ص 13 .