الشيخ محمد هادي معرفة

44

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كان صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن عجّل بقراءته حرصا منه على ضبطه وحفظه دون أن ينساه أو يضيع . وذلك كان قبل أن ينتهي الوحي ببقية الآية أو السورة التي كانت تنزل تباعا . فنُهي صلى الله عليه وآله عن هذا الإسراع وضمن له الحفظ والبيان « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى » . « 1 » * * * نقل الفرّاء عن بعضهم احتمال عود الضمير في قوله تعالى « وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » إلى محمّد صلى الله عليه وآله عودا إلى معلوم بالحال . فيكون المعنى : وإنّا لمحمّد لحافظون نظير قوله تعالى : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » . كما يحتمل عوده إلى القرآن ، لأنّه الذكر المذكور قبله . والمعنى : وإنّا للقرآن لحافظون أي راعون . « 2 » وقد أخذ المخالف من هذا الاحتمال والترديد ذريعة لنقض الاستدلال بالآية على صيانة القرآن من التغيير والتبديل . « 3 » لكن احتمال عود الضمير إلى محمّد صلى الله عليه وآله احتمال غريب لا مبرّر له بعد صلاحية اللفظ لتعيين مرجع الضمير . والفرّاء إنّما نقله نقلًا ، ولم يعتمده ولا وجّهه بتوجيه . وآية العصمة لا صلة لها بآية الحفظ ، فضلًا عمّا ذكرنا من رجوعها أيضا إلى عصمة الشريعة وليس المقصود نفسه الكريمة بالذات . نعم احتمل المخالف أن يكون المراد من الذكر هو الرسول صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى : « قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً . رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ » . « 4 » وإطلاق الذكر على النبي صلى الله عليه وآله لكونه مذكّرا !

--> ( 1 ) - الأعلى 6 : 87 و 7 . ( 2 ) - وهذا لفظه في كتابه « معاني القرآن » ، ج 2 ، ص 85 : « يقال إنّ الهاء التي في « له » يراد بها القرآن . حافظون أي راعون . ويقال إنّ الهاء لمحمّد صلى الله عليه وآله وإنّا لمحمّد لحافظون » . هذا كلامه على إجماله نقلناه هنا مع شيء من التوضيح . ( 3 ) - فصل الخطاب ، ص 360 . ( 4 ) - الطلاق 10 : 65 و 11 .