الشيخ محمد هادي معرفة
42
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عواصف أحداث الزمان . وأجدر به أن لا يقع عرضةً لتلاعب أهل البدع والأهواء ، شأن كلّ سند وثيق يبقى ، ليكون حجّة ثابتة مع مرّ الأجيال . وهذا الضمان الإلهي هو أحد جوانب إعجاز هذا الكتاب ، حيث بقاؤه سليما على أيدي الناس وبين أظهرهم ، وليس في السماء في البيت المعمور في حقائب مخبوءة وراء الستور . ليس هذا إعجازا إنّما الإعجاز هو حفظه وحراسته في معرض عام وعلى ملأ الأشهاد . فمن سفه القول ما عساه يقول أهل التحريف : « إنّه تعالى يحفظ القرآن في الموضع الذي أنزله فيه ، كما كان محفوظا في المحلّ الأعلى قبل نزوله . والقرآن إنّما نزل به جبرئيل على قلب سيّد المرسلين ليكون من المنذرين ، فمحلّه الذي أنزله تعالى فيه ووعد حفظه ، هو قلبه الشريف ، لا الصحف والدفاتر ولا غير صدره صلى الله عليه وآله من الضمائر . . . » . « 1 » هذا وقد ذكر أهل التفسير - بشأن نزول الآية - : أنّه صلى الله عليه وآله إنّما كان يخشى تلاعب أهل الأهواء بالقرآن من بعده ، كما فعلوا بكتب الأنبياء السالفين . فنزلت الآية تطمئنّه على حفظه وحراسته عن تناوش الأعداء خلودا مع الأبد « 2 » وقرينة السياق أيضا شاهدة على هذا المعنى . والخلاصة : إنّ هذه الآية ضمان للرسول وعهد من اللّه على أن يبقى هذا القرآن سليما ومحفوظا عن تناوش الأيدي ، سلامةً دائمةً وبقاءً مع بقاء الإسلام . مضافا إلى أنّ حكمة التكليف تقضي أيضا بهذا البقاء والسلامة الأبدية . ونظير هذه الطمأنة كثير في آيات أخرى ( منها ) قوله تعالى : « فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ » . « 3 » كان صلى الله عليه وآله يخشى ممانعة أهل الكفر ومداخلتهم في الأمر ، فيحولوا دون تأثير دعوته
--> ( 1 ) - راجع : فصل الخطاب للشيخ النوري ، ص 360 . ( 2 ) - وقد أشار إليه المحدّث النوري في فصل الخطاب ، ص 361 . ( 3 ) - الحجر 94 : 15 و 95 .