الشيخ محمد هادي معرفة

26

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ثانيا : إذا كانت القراءة مشهورة إلى عهد متأخّر فهي كسائر القراءات المشهورة عن أصحابها تصبح حجّة - في مصطلحهم - ولا يجب ثبوتها بالتواتر عن الرسول صلى الله عليه وآله كما أسلفنا أنّ القراءات المعروفة ليست متواترة لا عن عهد الرسالة ولا عن أربابها أيضا . هذا مع كون القرآن بذاته متواترا وفق قراءة المشهور . ومن ثمّ فكلام الإمام السرخسي بهذا الصدد يبدو متناقضا . ثالثا : أسلفنا أنّ الزيادات في كلام السلف ولا سيّما مثل ابن‌مسعود ، إنّما كانت زيادات تفسيرية لا عن قصد أنّها من نصّ الوحي ، وربّما اعتمدها بعض الفقهاء اعتبارا بفهم صحابي كبير ، لا بنقله كما وهمه هذا الإمام . رابعا : يقول تعالى : « ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » « 1 » ولا نسخ فيما لا يكون هناك ناسخ . وهكذا لا نسخ في غير الأحكام حسبما مرّت عليك من شرائط النسخ . « 2 » إذن فلنتساءل : ماذا يكون الناسخ هنا ؟ وكيف ينسخ لفظ الآية ويبقى حكمها مع الأبد ؟ وأيّ فائدة في نسخ اللفظ حينذاك وهو سند الحكم الذي يجب بقاؤه ما دام الحكم باقيا ؟ وهذا عمدة الإشكال على هذه المزعومة وسيأتي مزيد توضيح لهذا الاعتراض . وقال ابن‌حزم الأندلسي - بعد تسلّمه صحّة ما زعمه آية الرجم وأنّها سقطت فيما سقطت من سورة الأحزاب التي كانت تعدل سورة البقرة أو أطول منها - : ولكنّها نسخ لفظها وبقي حكمها . قال : وقد توهّم قوم أنّ سقوط آية الرجم إنّما كان لغير هذا ، وظنّوا أنّها تلفت بغير نسخ . لما روي عن عائشة ، قالت : لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول اللّه صلى الله عليه وآله تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها . قال : وهذا حديث صحيح وليس على ما ظنّوا ، لأنّ آية الرجم إذ نزلت حفظت وعرفت وعمل بها رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، إلّا أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف ولا أثبتوا لفظها في القرآن ، وقد سأله عمر بن‌الخطاب ذلك فلم يجبه . فصحّ نسخ لفظها وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة فأكلها الداجن ولا حاجة بأحد إليها .

--> ( 1 ) - البقرة 106 : 2 . ( 2 ) - في الجزء الثاني من التمهيد ، « شروط النسخ » فما بعد .