الشيخ محمد هادي معرفة

120

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

مصر على صهيون وخرّب بلادهم وأباد آثارهم وسلب البيت ونهب ما فيه . ومنها ما تكرّر على عهد الملك الإسرائيلي المرتد « منسيّ » ( 698 - 642 ق . م ) حيث دعا إلى عبادة الأوثان وأفسد الشريعة واستبدل من القدس الذي هو بيت عبادة معبدا للأصنام والأرجاس . هذا ، ولم يكن البيت - أثناء تلك المدّة الطويلة - بمعزل عن الزوّار والنظّار ، والحرس والخدم يعملون في تنظيفه ومراقبته كلّ صباح ومساء ، فأين كان السفر المزعوم مختبئا عن الأنظار ؟ ! نعم ، هو أمر مدبّر ، قد دبّر بليل . ولعلّ الملك - وهو يحاول الإصلاح الديني - قد تواطأ مع الكاهن الأعظم في اختلاق هذا العثور . أو لعلّ الكاهن هو الذي دبّر الأمر بنفسه - حسب ما احتمله فخر الإسلام - « 1 » حيث رأى من الملك منذ بدايته نشاطا في ترويج الدين وإقامة الشعائر ، ففكّر في دعمه بجمع شتات أحكام الشريعة وتدوينها في سفر كما كانت من ذي قبل ، فجمعها خلال سبعة عشر عاما ، وعندما أكملها قدّمها إلى الملك بتلك الحجّة المختلقة وبذلك الأسلوب المريب . والمعروف من عادة كهنة صهيون جواز الكذب في صالح الدين . قالوا : ويجب ذلك إذا توقّف ترويج الشريعة على الكذب والتزوير . « 2 » وهكذا راجت الكذبة على لسان الأنبياء - حسبما زعموا - كما في أنبياء كذبوا على الملك « آحاب » لإغرائه . وكان ذلك بأمر من الربّ ، نفث روح الكذب في أنبيائه ليكذبوا ، وجعل الكذب على أفواههم . « 3 » قال ارميا - في رسالة أرسلها إلى سبي بابل - عن نبيّين كانا مع السبي : إنّهما قد كذبا على اللّه . وهما : آحاب بن‌قولايا وصدقيّا بن‌معسيّا . وسوف يبتليان بقتل ذريع بيد ملك

--> ( 1 ) - راجع : أنيس الأعلام ، ج 2 ، ص 27 - 29 وج 3 ، ص 175 . ( 2 ) - كتبه عنهم المورّخ الشهير « موشيم » في كتابه « رجال القرن الثاني » ، ط 1832 ، ص 65 ، بنقل أنيس الأعلام ، ج 3 ، ص 113 . ( 3 ) - انظر الإصحاح 22 ع ، 11 - 24 ، الملوك الأول ، ص 578 .