الشيخ محمد هادي معرفة

75

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

واختار الإمام الرازي هذا التفسير بأنّ « بناتي » المقصود منها ، بنات القوم إذ النبيّ أبوهم . قال : أوّلًا : إنّ إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجّار أمر مستبعد لا يليق بأهل المروءة ، فكيف بأكابر الأنبياء ؟ وثانيا : كيف تكفي بناته ( اثنتان فقط ) للجمع العظيم من الفجار والصدّ عن هجماتهم المتوحشّة ؟ « 1 » وأخيرا نقول : فرض كون بنات لوط اثنتان فقط غير منطبق على إرادة الجمع من « هؤلاء بناتي » . وبه قال أكثر المفسّرين وكما جاء التصريح بذلك في سفر التكوين . « 2 » يعقوب ينتهب النبوّة من أخيه عيسو لم تتوان اليهود في الحطّ من كرامة الأنبياء حتّى ولقد مدّوا يد التدنيس إلى حياة أبيهم يعقوب ليجعلوه متزوّرا لبّس الأمر على أبيه إسحاق لينتهب النبوّة من أخيه « عيسو » حيث كان مرشّحا لها من قبل أبيه . فأغفل يعقوب أباه إسحاق واستغلّ عماه ليتصوّر أنّه عيسو فيبارك له بالنبوّة ! في مثل هذا التلاعب الصبياني تذكر التوراة حادث انتقال النبوّة من إسحاق إلى يعقوب . يا لها من مهزلة حمقانيّة وإساءة أدب إلى ساحة أنبياء اللّه العظام ! « 3 »

--> ( 1 ) - التفسير الكبير ، ج 18 ، ص 32 . ( 2 ) - الأصحاح 19 . ( 3 ) - جاء في الأصحاح 27 من سفر التكوين : وحدث لمّا شاخ إسحاق وكلّت عيناه أنّه دعا عيسو ابنه الأكبر وقال : اخرج إلى البريّة وتصيّد لي صيدا ، واصنع لي أطعمة حتّى تباركك نفسي قبل أن أموت . وكانت رفقة زوجة إسحاق وامّ يعقوب سامعة إذ تكلّم إسحاق مع عيسو ابنه ، فكلّمت يعقوب ابنها بما قال أبوه ، قالت : فالآن يا ابني اذهب إلى الغنم وخذ جديين جيّدين من المعزى ، فاصنعهما أطعمه لأبيك كما يحبّ ، فتحضرها إليه ليأكل ويباركك قبل وفاته . فذهب يعقوب وأخذ وأحضر لُامّه ، فصنعت أطعمة كما كان يحبّ أبوه . وأخذت رفقة لباس عيسو الفاخرة وألبستها ابنها يعقوب . وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديَي المعزى - لأنّ عيسو كان أشعر ويعقوب كان أملس - صنعت ذلك تلبيسا على إسحاق . وأعطت الأطعمة في يد يعقوب . فدخل إلى أبيه وقال : يا أبي فقال : ها أنا ذا ، من أنت يا ابني ؟ فقال يعقوب : أنا عيسو بكرك ، قد فعلتُ كما كلّمتني ، قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسُك . فقال إسحاق : ما هذا الذي أسرعت ؟ فقال : إنّ الربّ إلهك قد يسّرلي . فقال إسحاق : تقدّم لأجسّك يا ابني ، أأنت هو ابني عيسو أم لا . فتقدّم يعقوب ، فجسّه وقال : الصوت صوت يعقوب ، ولكن اليدين يدا عيسو . ولم يعرفه ، لأنّ يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه ، فباركه وقال : هل أنت هو ابني عيسو ؟ فقال : أنا هو . فدعا له إسحاق وقال : ليُستعبد لك شعوب ، وتسجد لك قبائل . كُن سيّدا لإخوتك وليسجد لك بنو امّك . وعندما فرغ إسحاق من بركة يعقوب وخرج من عنده جاء عيسو وأتى بالصيد ليبارك له أبوه فارتعد إسحاق ارتعادا عظيما جدّا ، واتّضح الأمر ، فصرخ عيسو صرخةً عظيمة ومُرّةً جدّا ، وقال لأبيه : باركني أيضا . فقال : قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك . ورفع عيسو صوته وبكى ، وقال : قد أخذ يعقوب بكورتي وبركتي . وعزم على قتل أخيه ، لولا فراره من وجهه واختفاؤه عند أخواله بإشارة من امّه رفقة . وهكذا أصبح يعقوب نبيا وأصبح إخوته عبيدا له .