الشيخ محمد هادي معرفة
69
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أنّه يبدأ الدعاء بقوله : « رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . . . الخ » . * * * وبعد ذلك يأتي دور مغادرته إلى الأرض المقدّسة ، ويبتهل إلى اللّه أن يرزقه أولادا صالحين . « فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ . وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ » . « 1 » وهنا يجيب اللّه دعاءه : « وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ . وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ » . « 2 » ثمّ إنّه لمّا كبر ابنه إسماعيل وبنى البيت الحرام نراه يدعو لوالديه ويستغفر لهما : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ » إلى قوله : « رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ » . « 3 » قال العلّامة الطباطبائي : والآية بما لها من السياق والقرائن المحتفة بها خير شاهدةٍ على أنّ والده الذي دعا له واستغفر له هنا غير أبيه آزر الذي تبرّأ منه في سالف الأيام . فقد تحصّل أنّ آزر الذي جاء ذكره في تلك الآيات لم يكن والد إبراهيم ولا أباه الحقيقي ، وإنّما صحّ إطلاق الأب عليه لوجود عناوين تسوغ اللغة مثل هذا الإطلاق ، كالجدّ للأُمّ والعمّ ، وزوج الأُمّ ، وكلّ من يتولّى شأن صغير ، وكذا كلّ كبير مطاع ، ونحو ذلك . وليس مثل هذا التوسّع في إطلاق لفظ الأب مختصّا بلغة العرب ، بل هو جارٍ في سائر اللغات أيضا . « 4 » الذبيح هو إسماعيل وليس بإسحاق جاء في سفر التكوين ، الأصحاح 22 : 1 - وحدث بعد هذه الأُمور أنّ اللّه امتحن إبراهيم ، فقال له : يا إبراهيم ، خذ ابنك وحيدك الذي تحبّه إسحاق واذهب إلى أرض المريّا وأصعده هناك .
--> ( 1 ) - الصافّات 98 : 37 - 100 . ( 2 ) - الأنبياء 71 : 21 و 72 . ( 3 ) - إبراهيم 35 : 14 - 41 . ( 4 ) - راجع : الميزان في تفسير القرآن ، ج 7 ، ص 168 - 171 .