الشيخ محمد هادي معرفة

60

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ومن مضاعفات هذا الزعم - كما نبّه عليه المحقّق الشعراني - « 1 » القول بعموم الطوفان المستحيل . « 2 » إذ لازمه أن يكون الماء قد غمر رؤوس الجبال الشامخات ، حيث رست السفينة - بعد ما أخذت المياه في النضوب - على قمّة جبل ترتفع خمس كيلومترات ! وممّا يجدر التنبّه له : أنّ القوم حسبوا من كلمة « الجودي » - باعتبارها اسم جبل - أنّها أعجمية معرّبة ، فراحوا يجوبون البلاد علّهم يعثروا على ذلك الأصل أهو « جورداين » أو « جورداي » أو « قوردو » أو غيرها ؟ لكن لامبرّر لهذا الحسبان بعد أن كان لهذه الكلمة أصل عربي خالص ولها سابق التعبير في جاهلية العرب . قال اميّه‌بن أبي الصلت : سبحانه ثُمَّ سبحانا يعود له * وقبله سبّح الجوديُّ والجُمُدُ الجودي - من الجود - : الرَبْوة من الأرض تجود بنباتها إذا أصابها وابلٌ آتت اكُلها ضعفين . والجُمُد : الحَزَنة من الأرض تجمد بنباتها وتبخل سواء أصابها وابل أو طلّ . قال أبو مسلم الإصبهاني : الجودي اسم لكلّ جبلٍ وأرض صلبة . « 3 » في مقابلة الرخوة أي استقرّت على مرتفع من الأرض غير ذات وحل ، وكانت ذات بركة عليه حينما نزل بها . « قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ » . « 4 » فأوّل مفاتح البركات نزوله بأرضٍ ذات بركةٍ وجود . وأين هذا من حسبان نزوله في أعالي جبالٍ شامخاتٍ ترتفع عن الأرض السهلة بخمس كيلومترات ؟ ! وهل كان نزوله حينذاك بسلامٍ وبركاتٍ أم بشقاء وعَناء ؟ !

--> ( 1 ) - معجم لغات القرآن للشعراني ، ج 11 ، ص 144 . ( 2 ) - عادةً في الطبيعة . ولا ضرورة تدعو إلى مثل هذا الإعجاز ! ( 3 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 165 . ( 4 ) - هود 48 : 11 .