الشيخ محمد هادي معرفة

562

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أمّا السّدّ ، فقد كثر في بلاد اليمن بناء الأسداد ، وهي جدران ضخمة كانوا يقيمونها في عرض الأودية لحجز السيول وخزن المياه ورفعها ، لريّ الأرضين المرتفعة ، كما يفعل اليوم في بناء الخزانات . وإنّما عمد السبأيون إلى بناء الأسداد ، لقلّة الأنهار ومجاري المياه في بلادهم ( بل في الجزيرة كلّها ) مع رغبتهم في إحياء زراعتها ، فلم يدعوا واديا يمكن استثمار جانبيه بالماء إلّا حجزوا سيله بسدّ ، فتكاثرت الأسداد بتكاثر الأودية التي تكثر فيها السيول ، حتى تجاوزت المئات . وقد ذكر الهمداني في « يحصب العلوّ » من مخاليف اليمن وحده ثمانين سدّا ، وكانوا يسمّون كلّ سدّ باسم خاصّ به . وإلى ذلك أشار شاعرهم : وبالبقعة الخضراء من أرض يحصب * ثمانون سدّا تقذف الماء سائلًا وأشهر أسداد اليمن « العرم » وهو سدّ مأرب الشهير . هو أعظم أسداد بلاد العرب وأشهرها ، وقد كثر ذكره في أخبار العرب وأشعارهم على سبيل العبرة ، لما أصاب مأرب بانفجاره ، وإليه أشار القرآن في سورة سبأ : « فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . . . فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » . « 1 » أمّا موضع هذا السدّ ، ففي الجنوب الغربي من مأرب سلسلة جبال هي شعاب من جبل السراة الشهير ، تمتدّ مئاتٍ من الأميال نحو الشرق الشمالي ، وبين هذه الجبال أودية تصبّ في وادٍ كبير يعبّر عنه العرب بالميزاب الشرقيّ ، وهو أعظم أودية الشرق ، تمييزا له عن ميزاب « مور » أعظم أودية الغرب المنشعبة من جبل السراة المذكور . وشعاب الميزاب الشرقيّ كثيرة تتّجه في مصابّها ومنحدراتها نحو الشرقيّ الشماليّ ، وأشهر جبالها ومواضعها في ناحية « رداع العرش » و « ردمان » و « قَرَن » والجبال المشرفة

--> ( 1 ) - سبأ 16 : 34 و 19 .