الشيخ محمد هادي معرفة
56
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وتشيع في الجوّ رائحة الإسرائيليات قويّة . وتعقّبه بقوله : أمّا نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتطّ حول النصّ « احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » ممّا يملك نُوح أن يُمسك وأن يستصحب من الأحياء ، وما وراء ذلك خبط عشواء . « 1 » وهذا هو الرأي الصحيح ، فقد رخّص اللّه لنوح أن يحمل معه ما يملكه من الحيوانات الأهلية بقدر ما يحتاج إليه من زادٍ وراحلة ، ولا يثقل حمله حتّى تعود الأحوال إلى أوضاعها الأولى . وأمّا سائر الأحياء الأهلية والوحش فتتشرّد لوجهها ولا تبقى في المنطقة المصابة بالحادث ، كما هو مألوف . هذا ما يدلّ عليه نصّ القرآن لا أكثر . والزوجان - في الآية - يراد به المتعدّد في تشاكل ، أي من كلّ جنسٍ عددا يفي لتأمين الحاجة بها . وهذا نظير قوله تعالى : « وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها ( في الأرض ) زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » « 2 » أي من كلّ نوعٍ في أشكالٍ وألوانٍ متقاربةٍ ومتنوّعة ، كالتفّاحة في أشكالها وألوانها ، وهكذا الليمون والرّمان وسائر الفواكه من كلّ نوعٍ فيها أزواج متشابهة . كما قال تعالى : « وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ » « 3 » أي متشاكلًا وغير متشاكل . وجاء في وصف فواكه الجنّة : « فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ » « 4 » أي صنفان متشاكلان . والمراد المتعدّد في أشكالٍ وأصناف ، كما قال : « وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً » « 5 » أي متشاكلًا . ومن الواضح أنّ الثمرة - وهي الفاكهة - ليس فيها ذكر ولا أنثى ولا تزاوج لقاح ، وإنّما ذاك في بذور الأزهار لا في الفواكه والثمار . على أنّها لغة دارجة : أن يراد بالمثنّى الشياع في الجنس لا الاثنان عددا . قال أبو علي : الزوجان في قوله : « مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ » يراد بهما الشياع وليس يراد بهما عدد الاثنين ،
--> ( 1 ) - في ظلال القرآن ، ج 12 ، ص 62 ، مجلّد 4 ، ص 548 . ( 2 ) - الرعد 3 : 13 . ( 3 ) - الأنعام 141 : 6 . ( 4 ) - الرحمان 52 : 55 . ( 5 ) - البقرة 25 : 2 .