الشيخ محمد هادي معرفة
554
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
على اللّه سبحانه ، وإن كان التعبير منساقا حسب مصطلح المنطقة . فهو يعبّر ب - « مردوك » - وفق تعبير أهل بابل - ولكن يصفه بعظمة ربّ الأرباب وإله العالمين . وهكذا عبّر عنه ب - « بَعْل » بمعنى الربّ الأعلى والسيّد المالك إله السماوات . وقد كان البابليّون يرون من « مردوك » ممثّل الإله ربّ العالمين . « 1 » هذا ، مضافا إلى ما يراه المؤرّخون من أنّ هذا المنشور الملكي كان قد نظّم بمعونة كبار الكهنة وعلى وفق آداب ومراسيمهم الدينيّة ، والذي جاء تعقيبا على منشور سابق كتبه الكهنة أنفسهم ترحيبا بجانب الملك الفاتح النبيل . « 2 » فلا غرو أن نجد فيه تعابير تتّفق مع رسوم البابليين محضا . . . أمّا المعنى والمحتوى فمحتمل التأويل . * * * والسؤال الأخير : حتى ولو كانت الشواهد وفيرة على أنّ كورش هو ذو القرنين المذكور في القرآن ، وأنّه هو الذي بنى السدّ الحديدي العظيم . . . فمثل هذا المشروع الجلل ، والذي كان - على الفرض - من أكبر مفاخر الأسرة الهخامنشيّة ولا سيما كورش رأس السلسلة . . . فلما لم يذكره المؤرّخون ، ولم يلهج به أبناء الفرس المتعصّبين على مفاخرهم في التاريخ ، وهلّا ذكره كورش في مفاخره ضمن سائر مفاخره والذي هو أعظمها وأجلّها . . . ولِمَ لَمْ يعرفه العرب عنه ذلك وكانوا مولعين بذكر تاريخ الفرس وبطولاتهم ، ولا ننسى أنّ قصص الفرس كانت منتشرة بين العرب ، وكان لهم أنصار بينهم ، وقد تأثّروا بأدبهم ورواياتهم وقصصهم الشعبيّة . . . ؟ ! « 3 » والإجابة على ذلك واضحة لمن سبر تاريخ ذلك العهد وما اعتورته من خطوب وأحداث كادت تكسح بكلّ آثاره وتذروها ذرو الريح العقيم . إنّ ما حدث بعد عهد الهخامنشيين من هجمات الإسكندر المقدوني العمياء ، لم يدع شيئا من معالم الحضارة
--> ( 1 ) - راجع : دائرة المعارف الإسلامية ، ج 3 ، مادة بعل ؛ وإيران باستان ، ج 1 ، ص 114 و 119 وج 2 ، ص 386 - 387 . ( 2 ) - راجع : إيران باستان ، ج 2 ، ص 391 . ( 3 ) - ذو القرنين القائد الفاتح والحاكم الصالح ، ص 243 - 244 .