الشيخ محمد هادي معرفة
550
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تعالى فضلا عن عابد وثن أو ساجد نار . . . وأيضا فمن المقطوع به أنّ كورش كان على دين « زردشت » وهو دين التوحيد والعقيدة بوحي السماء ويوم الجزاء والدعوة إلى الطهارة والقداسة في الحياة . . وكان لابدّ أنّ كورش كان يستقي في أخلاقه الكريمة من هذا المعين الصافي والضافي بمكارم الأخلاق ، والتي منها الدعوة إلى رؤوس الأخلاق الثلاثة : 1 - « هو مَتْ ( پندار نيك ) » : صدق النيّة . 2 - « هو خَتْ ( گفتار نيك ) » : صدق القول . 3 - « هو وَرِشْتْ ( كردار نيك ) » : صدق العمل . هذا هو أساس تعاليم زردشت الدينيّة ، ومِنْ مثل هذه الأخلاق يمكن أن يتكوّن مزاج كورش الملكي الفخيم ! قال : فإن كان ذوالقرنن يدين بدين « مزديسنا » أي بالدين الزردشتي ، ويثبت له القرآنُ الإيمانَ باللّه واليوم الآخر ، ليس هذا فحسب ، بل يجعله من الملهمين من عند اللّه ، أفلا يلزم من هذا أنّ دين زردشت كان دينا صحيحا إلهيّا ؟ أجل ، يلزم هذا ، وليس هنالك ما يحملنا على رفض هذا اللزوم ، لأنّه قد ثبت الآن نهائيّا أنّ دين زردشت كان دين التوحيد والأخلاق الفاضلة ، وأنّ عبادة النار « 1 » والعقيدة الثنويّة « 2 » ليستا منه ، بل من بقايا
--> ( 1 ) - لم تكن هناك عبادة نار بمعنى قداستها ، بل جعل حريم لها حفاظا على الإبقاء لإشعالها لغراض استفادة العموم منها في حوائجها التوميّة ، حيث كان إيقاد النار على العامّة صعبا ، فجعلوا مكانا خاصا لإشعالها ليل نهار في خدمة الناس . ولئلّا يتعرّض السفلة لإطفائها فرضوا لها حريما وفرضوا حرمتها لذلك محضا ، بلا أن يكون ذلك قداسة أو عبادة . فلم يكن المجوس يوما مّا يقدّسون أو يعبدون النار ، نعم كانوا يأخذون بجانب حرمتها لغرض الخدمات العامّة تسهيلا على الناس في حوائجهم . . . وقد ظلّت هذه العادّة مستمرّة حتى الأيّام التي لم تعد حاجة إلى ذلك . تقليدا لسنّة السلف محضا . يقول الفردوسي في ذلك : مگوئى كه آتش پرستان بُدَنْدْ * پرستندهء نيك يزدان بُدَنْدْ ( لا تقل إنّهم عبدة النار * إنّما هم عبدة صالحون للّه تعالى ) ( 2 ) - لا أساس للعقيدة الثنويّة في مبدء الوجود ، وإنّما هو إله واحد ( آهورا مزدا ) هو خالق كلّ شيء ، وبما أنّه خير محض ، فكلّ مخلوقاته خير . نعم كانت الشرور بفعل « أهريمن » ( الشيطان ) الذي هو فاعل الشرور بتسويلاته ، لا أنّه خالفها . وقد صرّح زردشت بأن ليس هناك إلها هو خالق الشرور ، بل هناك مطهرّ للشرور سمّاه « أنكره مىنيوش » وتحوّل إلى « آنرومين » وأخيرا إلى « أهرمن » ، هو الشيطان الرجيم عند المسلمين ، ذو القرنين ، ص 257 - 260 ) .