الشيخ محمد هادي معرفة

539

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القرآن - من أنّه كان يحارب هذا الشرك . ولا يتعامل معهم ولا يقبل منهم إلّا الإيمان أو الحرب ! ! « 1 » ومن ناحية أخرى هي جانب بناء السدّ - الذي ذكره القرآن - تشكّكوا في كونه من عمل كورش بالذات ، ولعلّه قام بترميمه نظير ما عمله أنوشيروان بعد ألف عام . ومستند الشكّ أنّه لم يأت في التاريخ ذكر عن بناء هذا السدّ على يد كورش ، في حين أنّه لم يكن بذلك البعيد بحيث يجهل تاريخ حياته ولا سيّما في مثل هذا العمل الضخم ، كما لم يذكره هو في مفاخره حيث ذكر مفاخر هي أقلّ شأنا من بناء هذا السدّ العظيم . يقول الأستاذ محمد خير رمضان : لا دليل لاستناد بناء السدّ إلى كورش ، وعمدة ما يستدلّون به : أنّ القبائل المغوليّة كانت لا تتكاسل عن الانقضاض على مناطق آسيا الغربيّة خلال القرن السادس قبل الميلاد . . . وكلّ صفحات التاريخ تذكر لنا أنّ ثمّة توقّفا مفاجئا حدث في عمليّة تدفّق هذه القبائل البدائيّة المتوحّشه . . . وتشير أصابع الدقّة التاريخيّة نحو الحقبة التي ظهر فيها كورش الهخامنشي . هذا هو الدليل الوحيد الذي استند إليه أصحاب القول بأنّ السدّ من عمل كورش الكبير . ولكن : هل يعني توقُّفُ هذه القبائل : أنَّ كورش بنى السدّ ؟ ! لماذا لا نقول : إنّ السدّ كان مبنيّا من قبل ، ولكنّ الحوادث الطبيعيّة أثّرت في جوانب السدّ ، كأن تكون مياه بحر قزوين قد انحسرت عن شواطئه فكانت القبائل تغزو من الساحل الذي كان مكانه الماء ، ثُمّ أعيد ترميم السدّ في عهد ذلك الملك . ووقفت هجمات القبائل المتوحّشة على تلك المنطقة بعد هذا ؟ ! وهذا نظير ما حدث على عهد أنوشيروان بعد ألف عام . . . أفليس من المعقول أن يكون كورش قد فعل مثل صنيع أنوشيروان في ذلك ، ويكون السدّ - بطبيعة الحال - قد بُني قبله بزمن طويل ؟ !

--> ( 1 ) - ذو القرنين ، القائد الفاتح والحاكم الصالح لمحمّد خير رمضان يوسف ، ص 236 - 238 .