الشيخ محمد هادي معرفة

509

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يقلّ المعدّل السنوي للأمطار فيها عن ( 100 م . م ) . « 1 » وهذا لا يسمح بنموّ غطاء نباتي واضح . والإقليم مصاب بالجفاف منذ ما لايقلّ عن خمسة آلاف سنة قبل الميلاد . وهو نوع الجفاف المطلق ، وربما لم يجد السكّان القدامى من قبائل غيدروسيا البدائيين ( زمن كورش في القرن السادس قبل الميلاد ) إلّا جذور النباتات لالتهامها . فالبيئة فعلًا تخلو تماما إلّا من نباتات تلاءمت للحياة في الأقاليم المناخيّة أو البيئات التي يسودها الجفاف أو تلك التي لا تتمتّع إلّا بقسطٍ ضئيل من الرطوبة مثل صحراء سيستان ومكران . فهذه النباتات - بما لها من تركيب خاصّ - تتحايل على الحصول على أكبر كميّة ممكنة من الماء والاحتفاظ به . ومن ثمّ كانت الجذور أطول وأكثر تشعّبا من السيقان . ولذا فقد كانت هذه القبائل تحفر في الأرض بحثا عن هذه الجذور لتقتات بها . وعندما كان العطش يهدّد حياة هذه القبائل كانوا يفتحون جذوع بعض النباتات الصحراويّة التي تتّصف بالانتفاخ ويمتصّون ما فيها من ماء مخزون . والبيئة - والحال هذه - تشبه تماما ما توحي به الآية الكريمة التي عبّرت عن نمط حياة هؤلاء الأقوام المعيشيّة حيث قال تعالى : « حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً » . فسبحان اللّه أصدق القائلين ! وما أروع دقّة القرآن وشموليّته ومعالجته لهذه القضايا ، في شكل إشارات عابرة تترك للعقل البشري على تتابع العصور مهمّة الكشف والتنقيب عن تفصيلاتها واتّخاذ العبرة والموعظة الحسنة منها ! « ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً » . وهي رحلة ثالثة ، كانت أولاها إلى الغرب لإخضاع بلاد ليديا ، والثانية نحو الشرق شماليّ بحر قزوين لإخضاع قبائل عُزَّل وحش لم يعرفوا حتّى الوقاء من الشمس ، وهذه هي الثالثة نحو الشرق أيضا ، ولكن حيث متّجه بلاد قوقاز بين بحر قزوين والبحر الأسود . « حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ » بين الجبلين من سلسلة جبال قوقاز . والسدّ : الجبل

--> ( 1 ) - مفاهيم جغرافية ، ص 267 - 269 .