الشيخ محمد هادي معرفة

498

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والتعبير في هذا البيان : أنّ الربّ نبّه روح كورش . وهو الوحي بمعنى الإلهام . وهذا يتّحد مع قوله هو : وهو أوصاني أن أبني له بيتا . . . أي وقع في خلدي فعل هذا الخير . وكلّ فكرة خير إنّما هو من عند اللّه . كما أنّ فكرة الشرّ من الشيطان . « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » . « 1 » « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّا شَياطينَ الْاءنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » . « 2 » وهذا هو إلهام الشرّ الشيطاني . أمّا إلهام الخير الرحماني ، فهو كما بشأن امّ موسى : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ . . . » . « 3 » وأوحينا بمعنى ألهمنا ، في القرآن كثير . وهكذا « قلنا » حديثا مع ذوات الأنفس وليس مشافهةً بالكلام . وليس بشأن الإنسان فحسب ، بل بشأن الحيوان والجماد ، أيضا كثير . فجاء حديثا مع أصحاب البقرة : « فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » . « 4 » إذ لم يكن خطاب مشافهة ، ولا دليل على أنّه بواسطة الرسول . والمحتمل قويّا هو إيحاء هذا المعنى كما في امّ موسى . وهكذا قوله بشأن بني إسرائيل - بعد هلاك فرعون - : « وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ . . . » . « 5 » إلقاء في النفوس بطبيعة الحال . وكان الخطاب مع النار في قوله تعالى : « قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » « 6 » أيضا من قبيل إيحاء إرادته تعالى ، لكن تكوينا . نظير الإيحاء إلى النحل والنمل وسائر الحيوان ليسلكوا سبل ربهم ذُلُلًا . ومن هذا القبيل قوله تعالى بشأن مَرَدة بني إسرائيل : « فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » . « 7 » لم يكن خطاب تكليف بل خطاب تكوين . وهكذا الحديث مع الأرض والسماء في قوله تعالى : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا

--> ( 1 ) - الأنعام 121 : 6 . ( 2 ) - الأنعام 112 : 6 . ( 3 ) - القصص 7 : 28 . ( 4 ) - البقرة 73 : 2 . ( 5 ) - الإسراء 104 : 17 . ( 6 ) - الأنبياء 69 : 21 . ( 7 ) - البقرة 65 : 2 .