الشيخ محمد هادي معرفة
488
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أخضر . فدخلوا بها وطافوا ، فإذا هي قد غلب عليها الرمل حتّى طمّ أسواقها ودورها ، ووجدوا بها أواني وملابس . وكانوا إذا تناولوا منها شيئا تناثر من طول البلى ، ووجدوا في صينيّة بعض البزّازين تسعة دنانيز ذهبا عليها صورة غزال وكتابة عبرانية . وحفروا موضعا فإذا حجر على صهريج ماء ، فشربوا ماء أبرد من الثلج . ثمّ خرجوا ومشوا ليلة فإذا بطائفة من العربان ، فحملوهم إلى مدينة الكرك ، فدفعوا الدنانير لبعض الصيارفة . . . ودفع لهم في كلّ دينار مائة درهم . . . وقيل لهم : إنّ هذه المدينة لها طوفان رمل يزيد تارة وينقص أخرى لا يراها إلّا تائه . « 1 » ولعلّ في هذا الوصف اختلاطا للحقيقة بالخيال ، وأنّ المماليك شاهدوا أطلال بطرا - كما احتمله زيدان - ووجدوا الدنانير ، إمّا من ضرب اليهود أو النبطيين ، وقد زار المدينة غير واحد من المستشرقين في القرن الماضي ( 19 ) وقرأوا ما عليها من نقوش نبطيّة . « 2 » من هم أصحاب الكهف ؟ قد ذكر المؤرّخون والمفسّرون عن أهل الكهف شيئا كثيرا ، أورده الطبري في التاريخ وفي تفسيره ، ويتّفق أكثر الروايات على القول بأنّ عددا من الفتية نبذوا عبادة الأوثان واعتنقوا التوحيد في مدينة « أَبْسُس » « 3 » ثمّ فرّوا من تلك المدينة وأووا إلى كهفٍ وكان معهم كلب عجزوا عن إبعاده ، وناموا في هذا الكهف . ثمّ جاء الملك الوثني داقيوس ( ويسمّى أيضا داقينوس وداقيانوس ) ومعه أتباعه للقبض عليهم ، ولكن لم يستطع أيّ واحد منهم دخول الكهف ، فبنوا عليهم باب الكهف ليموت الفتية جوعا وعطشا ، ونسي الناس أمرهم بعد ذلك . وفي يوم من الأيّام بعث أحد الرعاة برجاله وأمرهم بفتح فم الغار ليتّخذه حظيرة لغنمه ، ولمّا دخلوا لم يروا أوّل الأمر الفتية الذين بَعَثهم اللّه في الأجل الذي ضربه ليقظتهم .
--> ( 1 ) - الخطط المقريزيّة ، ج 1 ، ص 376 . ( 2 ) - العرب قبل الإسلام ، ص 85 . ( 3 ) - بلدة رومانيّة من ثغور طرسوس بين حلب وأنطاكية .