الشيخ محمد هادي معرفة

48

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الطوفان ظاهرة طبيعية حيث أرادها اللّه نعم ، كان حادث الطوفان ظاهرة طبيعية وعلى ما وصفه القرآن ممّا لا يكاد الغمز فيه . كان قد مرّ على حياة الأرض في أدوارها الأولى كثير من تغيّرات جوّية مفاجئة ، كان وجه الأرض مسرحا لتناوب هطول أمطار غزيرة وسيول هائلة منحدرة من أعالي الجبال كادت تغمّ الهضاب والوديان والمناطق المنخفضة من سطح الأرض . وكان طوفان نوح إحدى تلكمُ الظواهر الكونية حدثت بإذن اللّه « فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً . فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ » . « 1 » فانحدرت سيول هائلة على سفوح الجبال وتفجّرت ينابيع الأرض المشبعة بالأمطار ، وهكذا أحاط الماء الهائم بقوم نوح وسدّ عليهم طرق النجاة . وحتّى ابن نوح حاول اللجوء إلى أعالي المرتفعات لولا أن جابهته سيول هائجة لتصرعه إلى حيث مهوى الهلاك ، بل وحتّى لم يجد فرصة التريّث فيما كان ينصحه أبوه ، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين . وفي تواريخ الأمم مايسجّل حدوث طوفانات هائلة جرفت بقسط من الحياة ، ولعلّه لتراكم الفساد والشرّ في تلكمُ البقاع . فعن قدماء الفرس : أنّ طوفانا هائلًا غمّ أرض العراق إلى حدود كردستان . وهكذا روي عن قدماء اليونان . والهنود أثبتوا وقوع الطوفان سبع مرّات شمل شبه الجزيرة الهنديّة . ويروى تعدّد الطوفان عن اليابان والصين والبرازيل والمكسيك وغيرهم . ويروى عن الكلدانيين - وهم الذين وقع طوفان نوح في بلادهم - : أنّ المياه طغت على البلاد وجرفت بالحرث والنسل . فقد نقل عنهم « برهوشع » و « يوسيفوس » : أنّ « زيزستروس » رأى في الحلم بعد موت أبيه « أوتيرت » أنّ المياه ستطغى وتغرق الناس كلّهم ( ممّن كان يعيش هناك طبعا ) . فأمر بصنع سفينة يعتصم فيها هو وذووه ، ففعل . وقد كان هناك جبابرة طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد فعاقبهم اللّه بالطوفان والاستئصال . وقد عثر بعض الإنجليز على ألواح من الآجرنُقشت فيها هذه الرواية بالحروف

--> ( 1 ) - القمر 11 : 54 و 12 .