الشيخ محمد هادي معرفة
475
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قلت : كثير من أحداث مصر القديم لم يسجّلها التاريخ ، بعد أن كان مهمّة التاريخ الأثري هو مجرّد وصف البلاط الملكي وزهو رجالات الحكم ومجونهم في البذخ والترف والأفراح ، ليس غير . أمّا الأوضاع الاجتماعية وما عليه سائر الناس من الأحوال والأوضاع ، فهذا ممّا لا يهتمّ به التاريخ القديم سوى ما كانت له صلة بأحوال الملك وحواشيه . فالتاريخ القديم إنّما هو تاريخ الملوك ، وليس تاريخ الأمم ، على خلاف ما وسم الطبري تاريخه . « 1 » ومثلًا لذلك نقول : كانت رحلة العبرانيين ( بني إسرائيل ) إلى مصر أمرا لا ينكر ، في حين أنّه لم يأت ذكر منها في تاريخ مصر القديم . وكذا موسى وهارون ، فضلًا عن يوسف وإخوته ويعقوب ، شيء لا يمكن الغضّ عنه في تاريخ مصر ، ومع ذلك لم يأت في كتابات مصر القديمة ولا إشارة إليه . وهل نستطيع أن نشطب على كثير من هذه القضايا - المقطوع بصحّتها - بحجّة أنّها لم تذكر في كتابات الأهرام ؟ وهل يمكننا الغضّ عن حادث خروج موسى ببني إسرائيل قاصدا أرض فلسطين ، وقد عبر البحر إلى وادي سيناء مارّا بمضيق من البحر الأحمر في منطقة قريبة من خليج السويس ولعلّه كان متّصلًا بالبحيرة المرّة وأصبحت أرضا يابسة وقد اتّخذها موسى معبرا لقومه . والمحلّ مشهور باسمه إلى الآن . « 2 » على أنّ إبراهيم وابنيه إسحاق وإسماعيل وكذا موسى وهارون ومن بعدهما من أنبياء ، ملأ بذكرهم الآفاق ، لم يذكرهم التاريخ المسجّل ، فهل يصلح ذلك حجّة للقول بكونهم رجال أساطير ؟ هذا ذو القرنين عرف أخيرا أنّه « كورش » الملك الفارسي العظيم وجاء ذكره في كتب العهد القديم وهو الذي فتح بابل عام ( 538 قم ) وأطلق سراح بني إسرائيل من الأسر وحماهم وأسكن قسما منهم في مدينة « شوش » تحت زعامة « دانيال النبيّ » وسرّح الباقي إلى أرض فلسطين بزعامة « عزرا » ليشيد بناء الهيكل وإحياء آثار بني إسرائيل
--> ( 1 ) - وسم تاريخه باسم تاريخ الأمم والملوك ، في حين أنّه ليس في تاريخه ذكر عن أحوال الأمم وأوضاعها ، سوى ما يمسّ شأن القادة الملوك وتصرّفاتهم التعسّفية . ( 2 ) - انظر : قصص الأنبياء للُاستاذ عبد الوهاب النجار ، ص 204 .