الشيخ محمد هادي معرفة
470
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أمّا تلك التي يقصد منها إلى العظة والعبرة وإلى الهداية والإرشاد فإنّه لا يلزم أن يكون ما فيها هو التاريخ ، فقد تكون المعارف التأريخيّة عند العرب أو عند اليهود ، وهذه المعارف لا تكون دائما مطابقة للحقّ والواقع ، واكتفاء القرآن بما هو المشهور المتداوَل ، أمر أجازه النقد الأدبي وأجازته البلاغة العربيّة وجرى عليه كبار الكتّاب . ومن هنا لا يصحّ أن يتوجّه اعتراض على النبي صلى الله عليه وآله أو على القرآن الكريم ! « 1 » * * * وبعد فهذا الذي ارتآه الأستاذ خلف اللّه ، كان قد سبقه إلى ذلك الكاتب الشهير طه حسين في كتابه « في الشعر الجاهلي » والأستاذ علي عبد الرزاق في كتابه « الإسلام وأصول الحكم » وغيرهما حتّى أصبح ذلك من ميزات الفكر الإسلامي الحديث ، وربّما أثار ضجّة في الأوساط الدينيّة ولا يزال . وأخيرا قام الأستاذ خليل عبد الكريم بعرض وتحليل القصص القرآني بصورة نقد وتعليق على كتاب الفنّ القصصي في القرآن للُاستاذ خلف اللّه ، وزاد عليه الكثير ممّا حسب أنّ خلف اللّه أغفله ! غير أنّه زاد في الطين بلّة ، يقول - معترضا على كلامه الأخير بشأن ما قصد من القصّة القرآنيّة إلى التاريخ - : إنّنا نقف مع خلف اللّه مليّا عند القصص التاريخي ، إذ لم يحدّد لنا المعيار الذي انطلق منه لتحديد تاريخيّة القصّة : هل هو ثبوتها في مدوّنات التاريخ المعتمدة ؟ أم هل هو احتفاظ الشعوب في ذاكرتها لوقائعها ؟ وهل مجرّد وروردها في التوراة يُضفى عليها صفة التاريخيّة ؟ لقد كان حريّا به وهو بصدد كتابة بحث أكاديمي أن يفعل ذلك ، ولعلّ إغفاله ذِكر هذا المعيار هو الذي دفع به إلى إضفاء الصفة التاريخيّة على قصص ووقائع وأحداث في حين أنّها ليست كذلك . فنزاع ابني آدم وقتل أحدهما الآخر وجهل القاتل بكيفيّة دفن جثّة أخيه المقتول ، هذا ليس تاريخا ، وإنّما هو أدْخَلُ في باب الميثولوجيا ( علم الأساطير ) . ولهذه
--> ( 1 ) - الفن القصصي في القرآن ، ص 87 - 91 .