الشيخ محمد هادي معرفة

42

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كَبِيرُهُمْ هذا » . « 1 » والثالثة بشأن سارة : أنّها أخته . « 2 » وفي حديث الشفاعة برواية أبي هريرة أيضا : أنّ أهل الموقف يأتون الأنبياء واحدا بعد واحد يستشفعون منهم ، حتّى يأتوا إبراهيم فيأبى معتذرا : إنّي كذبت ثلاث كذبات ولستُ هناكم . « 3 » وقد وصفت لجنة مشايخ الأزهر هذه الروايات بالصحاح ، وعارضت الأستاذ عبد الوهاب النجّار استنكاره لهذه المفتريات . « 4 » قلت : وحاشا إبراهيم الخليل - الداعي إلى الحنيفية البيضاء - أن ينطق بكذب ، وإنّما كُذِبَ عليه بلا ريب . والرواية عامّية الإسناد لا اعتداد بها في هكذا مجالات . ولقد أجاد الإمام الرازي حيث قال : فلأن يُضاف الكذب إلى رواة هذا الخبر أولى من أن يُضاف إلى الأنبياء ، وأخذ في تأويل الموارد الثلاثة ، وأضافَ قائلًا : وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء فحينئذٍ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلّا زنديق . « 5 » أمّا قوله : « إِنِّي سَقِيمٌ » فلعلّه أراد وهن حالته الجسدية ممّا كان يرى قومه على عَمَه الغباء ، وقد أحسّ ألما شديدا انتاب قلبه المرهف تجاه تلكمُ الجهالات العارمة . وأمّا قوله « بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » فقولة قالها مستهزئا بهم مستخفّا عقليّتهم الكاسدة . والكذب لا يكون إلّا لغرض التمويه . أمّا إذا كان السامعون عارفين بواقع الأمر وأنّ إبراهيم لم يقصد الحقيقة وإنّما أراد التسفية من عقولهم محضا فهذا لايُعدّ كذبا ، لأنّ الكذب إخبار في ظاهر غير مطابق للواقع . وهذا إنشاء لمحض التسفيه والهزء بهم . والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب ، فتدبّر .

--> ( 1 ) - الأنبياء 63 : 21 . ( 2 ) - صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 171 وج 7 ، ص 7 ؛ وصحيح مسلم ، ج 7 ، ص 98 ؛ ومسند أحمد ، ج 2 ، ص 403 - 404 . ( 3 ) - جامع الترمذي ، ج 4 ، ص 623 وج 5 ، ص 321 . ( 4 ) - راجع : هامش قصص الأنبياء للنجّار ، ص 86 . ( 5 ) - التفسير الكبير ، ج 22 ، ص 185 وج 26 ، ص 148 .