الشيخ محمد هادي معرفة

419

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

سوى تلاوتها جريا على الألسُن لاوعيا في القلوب ! ! « 1 » لكن تعرّضنا - عند الكلام عن متشابهات القرآن - « 2 » للإجابة على هذا السؤال وقلنا : متشابه القرآن على نوعين : أصلي وطارئ . والطارئ - وهو الأكثرية الساحقة من متشابهات القرآن - ما عرض له التشابه فيما بعدُ ولم يكن متشابها في أصله وعند نزوله ، وذلك من جرّاء تضارب الآراء وتخاصم أرباب الجدل والذي ثار اواره في مؤخّرة القرن الأوّل ودام حتّى القرنين الثاني والثالث ، وظهرت مذاهب ومشارب متنوّعة ومتزاحمة بعضها مع بعض في تلك الفترة غير القصيرة . كان صاحب كلّ مذهب فكري يعمد إلى لفيف من آيات وروايات ليؤوّلها إلى حيث مرتآه الخاصّ ويفسّرها حسب رأيه ، دعما لعقيدةٍ ارتآها أو دفعا لما سلكه خصماؤه . وفي غضون هذا التدافع والتخاصم كانت معالم الشريعة هي التي وقعت عرضة الأهواء ومتضارب الآراء ، وأصبح قسمٌ كبيرٌ من بيّنات الآيات والسنن متشابهات ، وقد أحاطت بها هالات من الإبهام والإجمال ، فصار ما كان محكما بالأمس متشابها وما كان بيّنا ، مستطرقا طرق الظلام . هذا هو الحدث الجلل الذي عاد بسيّئاته إلى حوزة الشريعة الغرّاء . وهذا في أكثرية النصوص التي تعرّضت لصفاته تعالى الجلال والجمال وشؤون الخليقة والتدبير وما شابه . أمّا المتشابه الأصل فهو أقلّ القليل من آيات تعرّضت لمعانٍ مستجدّة على العرب هي ذوات مفاهيم رفيعة ومتوسّعة سعة الآفاق ، كانت القوالب اللفظية - الموضوعة عند العرب - تضيق عن حملها والإيفاء بها . ومن ثَمَّ جاءت في قوالب الاستعارة والتشبيه القاصرة - بطبيعة الحال - عن إفادة كمال المراد . وهذا من قصورٍ يعود إلى القابل ولايمسّ شأن الفاعل ، كما لا يخفى . وقد قدّمنا الكلام عن تفاصيله . أمّا ولِمَ أُودعت هذه اللّمة من عديد آيات رفيعة المنال ضمن نصوص القرآن الكريم

--> ( 1 ) - هذه شبهة أوردها هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 379 . ( 2 ) - في المجلد الثالث من التمهيد .