الشيخ محمد هادي معرفة

403

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الحال ، ولا يصلح لذلك صيغة الماضي إلّا بتأويله إلى إرادة الحال أي « فكان في الحال » . وهذا ممّا يكفله صيغة المضارع من غير تأويل . وهذا هو معنى قولهم : « فَيَكُونُ » حكاية حال ماضية . « 1 » أي وإن كان الأمر قد مضى ، لكنّها حكاية عن أمر كان حالًا في ظرفه : فقد تَكَوَّن الشيء حالًا فور الإرادة . وهذا من تصوير الحال الماضية كما يقول أهل المعاني . فمعنى قوله « كن فيكون » : أن لافاصل زمنيّا بين إرادته تعالى وتكوين الشيء « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » . « 2 » « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . « 3 » أي لافاصل - عند إرادته تعالى لتكوين شيء - بين هذه الإرادة وتكوين ذاك الشيء حالًا . قال الحجّة البلاغي : « فَيَكُونُ » فعل مضارع دالّ على الثبوت ، لبيان الملازمة الدائمة بين قوله « كُنْ » وبين تكوّن الشيء بهذا الأمر لا محالة . وبهذه القدرة التامّة والملازمة الدائمة خلق عيسى من غير فحل ، إذ قال له : « كُنْ » . وهو كلام صادر في مقام الاحتجاج بالتمثيل ، ولاتقوم الحجّة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلّا ببيان الملازمة . وهذا بخلاف ما لو قال : كن فكان . لأنّ هذا الأسلوب ( الثاني ) لا يفيد إلّا أن آدم كان . سواءٌ أكان ذلك باتفاق أم بملازمة خاصّة بذلك الكون أو عامّة . وهو أمرٌ معلوم لا فائدة في بيانه ولاحجّة فيه على خلق عيسى من غير فحل . فلا يكون التفريع لو قيل : كن فكان ، إلّا لغوا في كلام متهافت . « 4 » والخلاصة : أنّ فعل المضارعة هنا يدلّ على الملازمة الدائمة بين قولة « كن » والتكوين . فصحّ جريانه بشأن آدم والمسيح على سواء . وهذا على خلاف ما لو قيل « فكان » ، لاحتمال مجرّد الاتفاق وليس عن ملازمةٍ دائمة . . . وهو تنبّه لطيف أفادته قريحة شيخنا العلّامة البلاغي المهديّ بهداية اللّه تعالى . فرحمة اللّه عليه من مجاهد في سبيل اللّه بالعلم والعمل الدائب ، أفاض اللّه عليه شآبيب رضوانه . آمين .

--> ( 1 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 368 . ( 2 ) - القمر 50 : 54 . ( 3 ) - يس 82 : 36 . ( 4 ) - الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 380 .