الشيخ محمد هادي معرفة

36

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فقد شرّفه اللّه بأن خلقه بيديه : « ما مَنَعَكَ ( خطابا لإبليس ) أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » . « 1 » واللّه خالق كلّ شيء . فلا بدّ أن تكون هناك خصوصيّة في خلق هذا الإنسان تستحقّ هذا التنويه . هي خصوصيّة العناية الربّانيّة بهذا الكائن ، وإيداعُه نفخةً من روح اللّه دلالةً على هذه العناية ! قال العلّامة الطباطبائي : نسبة خلقه إلى اليد تشريف بالاختصاص كما قال : « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » . « 2 » وتثنية اليد كناية عن الاهتمام البالغ بخلقه وصنعه ، ذلك أنّ الإنسان إذا اهتمّ بصنع شيء استعمل يديه معا عناية به . « 3 » وهكذا نفخة الروح الإلهيّة فيه كناية عن جانب اختصاص هذا الإنسان - في أصل فطرته - بالملأ الأعلى حتّى ولو كان متّخذا - في جانب جسده - من عناصر تربطه بالأرض ، فهو في ذاته عنصر سماوي قبل أن يكون أرضيّا . ولقد خلق الإنسان من عناصر هذه الأرض ثُمَّ من النفخة العلويّة التي فرّقت بينه وبين سائر الأحياء . ومنحته خصائصه الإنسانيّة الكبرى . وأوّلها القدرة على الارتقاء في سلّم المدارك العليا الخاصّة بعالم الإنسان . هذه النفخة هي التي تصله بالملأ الأعلى ، وتجعله أهلًا للاتصال باللّه ، وللتلقّي عنه ولتجاوز النطاق المادّي الذي تتعامل فيه العضلات والحواسّ ، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول . والتي تمنحه ذلك السرّ الخفيّ الذي يسرب به وراء الزمان والمكان ، ووراء طاقة العضلات والحواسّ ، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصوّرات غير المحدودة في بعض الأحيان . « 4 » وبذلك استحقّ إيداعه أمانة اللّه التي هي ودائع ربّانية لها صبغة ملكوتية رفيعة أودعت هذا الإنسان دون غيره من سائر المخلوق . وتتلخّص هذه الودائع في قدرات

--> ( 1 ) - ص 75 : 38 . ( 2 ) - الحجر 29 : 15 . ( 3 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 17 ، ص 239 . ( 4 ) - من إفادات سيّد قطب ، راجع : في ظلال القرآن ، ج 14 ، ص 17 ، المجلد 5 ، ص 203 .