الشيخ محمد هادي معرفة

322

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولا يخرج منها بعد الدخول ، لقوله تعالى : « عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ » أي غير مقطوع . « 1 » * * * قلت : والذي يترجّح في النظر أنّ مثل هذا التعليق على المشيئة في كلامه تعالى أمر عاديّ إذا مالاحظنا شيمة الأكابر حيث لايحتّمون على أنفسهم أمرا ليكون لزاما عليهم فيطالبوا بإنجازه وإن كانوا يوفون بماوعدوا كرامةً وفضلًا لاتكليفا وإلزاما . ومن ثمّ ترى أنّ أكثر وعوده تعالى التي جاءت في القرآن كانت بصورة خلق الرجاء في نفوس الموعود لهم ، مبدوّة بلفظة « لعلّ » و « عسى » ونحوهما ، ممّا يجعل الإنجاز معلّقا على مشيئته واقتضاء حكمته وليس حتما عليه في ظاهر الوعد وإن كان اللّه يفي بما وعد فضلًا ومنّةً ولايخلف الميعاد . يقول تعالى مخاطبا لنبيّه : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » . « 2 » فقد تلقّاه النبيّ وعدا حتما وإن كان بصورة التعليق على المشيئة . وقال : « وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً » . « 3 » فهو وعد بمقام الشفاعة ، ولسوف يعطيه ربّه فيرضى . « 4 » وإن كان الوعد وقع ظاهرا بصورة خلق الرجاء . وقال بشأن المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا : « فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً » . « 5 » فأولئك معفوٌّ عنهم لا محالة ، ومن ثمّ جاء التعقيب بأنّه تعالى عفوٌّ غفور . غير أنّ الوعد وقع ظاهرا بصورة خلق الرجاء دون الحتم الإلزامي . وقال : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » . « 6 » لاشكّ أنّه تعالى سيرحم أولئك الذين اتّبعوا الكتاب واتّقوا ، لكنّ الوعد وقع بغير صورة الحتم عليه تعالى .

--> ( 1 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 194 - 196 مع تصرّف يسير . ( 2 ) - الأعلى 6 : 87 و 7 . ( 3 ) - الإسراء 79 : 17 . ( 4 ) - « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحى 5 : 93 . ( 5 ) - النساء 99 : 4 . ( 6 ) - الأنعام 155 : 6 .