الشيخ محمد هادي معرفة
318
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بعضهم ، ولعلّهم الأكثر حسب مقتضى الذنوب التي ارتكبوها ولعلّها تقع موضع عفو ربّهم الكريم . ثانيهما : أنّ الشقاء إنّما هو في مرتبة الاقتضاء للخلود ، وليس علّةً تامّة . ومن ثمّ صحّ الاستثناء حسب مشيئة الربّ إذا تحقّقت أسبابه في حين . هذا فضلًا عن أنّ مخالفة الوعيد لاضير فيه ولاحزازة فيه على الكريم . إنّما الكلام والإشكال في وقوع الاستثناء بشأن السعداء حيث وعدهم بالخلود ، والكريم لا يخلف الميعاد . قال الطبرسي : اختلف العلماء في تأويل هذا في الآيتين ، وهما من المواضع المشكلة في القرآن . والإشكال فيه من وجهين : أحدهما : تحديد الخلود بمدّة دوام السماوات والأرض . والآخر : معنى الاستثناء بقوله : « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » . فالأوّل فيه أقوال : أحدها : أنّ المراد ما دامت السماواتُ والأرضُ مبدّلتين . أي ما دامت سماء الآخرة وأرضها ، وهما لايفنيان إذا أعيدا بعد الإفناء . عن الضحّاك والجبّائي . وثانيها : أنّ المراد ما دامت سماوات الجنّة والنار وأرضهما . وكلّ ماعلاك سماء وكلّ مااستقرّ عليه قدمك أرض . وهو قريبٌ من الأوّل . وثالثها : أنّ المراد ما دامت الآخرة ، وهي دائمة أبدا . كما أنّ دوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدّة بقائها . عن الحسن . ورابعها : أنّه لايُراد به السماء والأرض بعينهما ، بل المراد التبعيد . فإنّ للعرب ألفاظا للتبعيد في معنى التأبيد . يقولون : لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار ، وما دامت السماء والأرض ، ومانبت النبت ، وما أطّت الإبل ، وما اختلف الجرّة والدرّة ، وما ذرّ شارق ، وفي أشباه ذلك كثرةً ، ظنّا منهم أنّ هذه الأشياء لاتتغيّر ، ويرون بذلك التأبيد لاالتوقيت . فخاطبهم اللّه سبحانه بالمتعارف من كلامهم على قدر عقولهم ومايعرفون . قال عمرو بن معديكرب :